تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
الأغنياء بفضل العلم ، فقلت : حالهما هي القاضية بينهما ، وكيف يستوى شئ ترى حاجة الجميع إليه ، وشئ يغنى بعضهم فيه عن بعض ؟ وعبتمونى حين قلت : إن فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون في الدار : إن احتيج إليها استعملت ، وإن استغنى عنها كانت عدّة ، وقد قال الحضين « 1 » بن المنذر : وددت أنّ لي مثل أحد « 2 » ذهبا لا أنتفع منه بشئ ، قيل : فما ينفعك من ذلك ؟ قال : لكثرة من كان يخدمنى عليه ، لأن المال مخدوم ، وقد قال بعض الحكماء : « عليك بطلب الغنى فلو لم يكن لك فيه إلّا أنه عزّ في قلبك ، وذلّ في قلب عدوّك ، لكان الحظّ فيه جسيما ، والنفع فيه عظيما » ولسنا ندع سيرة الأنبياء ، وتعليم الخلفاء ، وتأديب الحكماء ، لأصحاب الأهواء « 3 » . كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدّجاج ، وقال « درهمك لمعاشك ، ودينك لمعادك » فقسّموا الأمور كلها على الدين والدنيا ، ثم جعلوا أحد قسمي الجميع الدرهم . وقال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه : « إني لأبغض أهل بيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد » وكانوا يبغضون أهل البيت اللّحمين « 4 » ، وكان هشام « 5 » يقول : « ضع الدرهم على الدّرهم يكون مالا » ونهى أبو الأسود الدّؤلى « 6 » وكان حكيما أديبا ، وداهيا أريبا « 7 » عن جودكم هذا المولّد ، وعن كرمكم هذا المستحدث ، فقال لابنه : « إذا بسط اللّه لك في الرزق فابسط ، وإذا قبض فاقبض ، ولا تجاود « 8 » اللّه فإن اللّه
هامش
( 1 ) بالضاد المعجمة ، وهو صاحب راية الإمام على كرم اللّه وجهه بصفين ، وفيه يقول الإمام :لمن راية حمراء يخفق ظلها * إذا قلت قدمها حضين تقدما فيوردها في الصف حتى يزيرها * حياض المنايا تقطر الموت والدماانظر العمدة لابن رشيق 1 : 14 ، ولسان العرب 16 : 280 . ( 2 ) أحد : جبل بالمدينة . ( 3 ) وفي العقد « لأصحاب اللهو » . ( 4 ) اللحم ككتف : الأكول اللحم القرم إليه . ( 5 ) هو هشام بن عبد الملك ، وكان معروفا بالبخل . ( 6 ) وكان معروفا بالبخل أيضا . ( 7 ) أي عاقلا . ( 8 ) أي لا تغالبه ولا تباره في الجود .