تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
فأيّة نعمة أجلّ قدرا ، وأسنى أمرا - معشر الشيعة - من نعمة أمير المؤمنين - أيّده اللّه - عند الأمير ذي الرياستين ، ومراتبه التي رتّبه بها ، فإنه أعطاه رياسة الحرب ورياسة التدبير ، وعقد له على رأسهما علما في راية دعوته ، وقلّده سيفهما ، وختّمه بخاتم الخلافة وخاتم الدولة ، وجعل صلاته بين صاحب حرسه وصاحب شرطته ، ومسيره بين أمير المؤمنين وبينهما أمامه وخلفه - وصيّر له الجلوس على الكرسي بحضرته في صدر كل مجلس جلسه - إلا أن يؤثر به من أحبّ من أبناء الخلفاء - وقدّمه في دخول داره « 1 » راكبا إلى أقصى مكان ينتهى إليه أحد من بني هاشم ، لأنه منهم ، وأعظمهم غناء عنهم ، فسمّاه صاحب دعوته ، وسيفه على عدوه ، وبابه الذي يدخل إليه منه ، وولّاه خيوله في أقطار الأرض ، ومقدّمته بحضرته ، وقلّده من الثغور ما قد علمتم ، بما أفرده في عهده ، إلى ما أنفذه من أمره ، في جميع سلطانه وملكه ، من مشارق الأرض ومغاربها ، وأين يأتي الوصف على ما فضّله به وقدّمه وشرّفه على الناس كافّة ؟ ولكنا نخطر بذكره ثم نكل السامعين إلى ما يرجعون إليه من المعرفة التي لا تبلغها الصّفة . ثم لم يكن ما أكرمه به في حياته ، بأعلى مما أكرمه به في وفاته : تولّى غسله وتكفينه ومباشرته لجهازه إلى حفرته بيده ، وقاسى من الغصص ، وبرحاء « 2 » الحزن ، وإذراء « 3 » العبرة ، وإراقة الدّمعة ، ما حال بينه وبين الكلام ، وكاد يمنعه من القول ، والدعاء في صلاته عليه ، من الحكم وحفظ أهل الحرمة به ، رعاية له فيهم ، ووفاء بعهده من بعده ، وأقرّ خاصّته وقواده وعمّاله وكتّابه على مراتبهم ، وحمد بحمده ، وذمّ بذمه ، وجدّد لجنده وشاكريّته « 4 » نظرا وعطفا ، فلم يبق عليه في إحياء ذكره ، وبلوغ كل ما يحبّه في حياته ، [ غاية ] إلا أتى من ورائها ، وأمر بقراءة فتوحه ، كما
هامش
( 1 ) في الأصل « دار الأمير » . ( 2 ) برحاء الحمى وغيرها : شدة الأذى . ( 3 ) أذرت العين الدمع : صبته . ( 4 ) في الأصل « وشل كريته » وهو تحريف ، وأرى أن صوابه « وشاكريته » والشاكرية جمع شاكرى : وهو الأجير والمستخدم معرب جاكر - انظر القاموس المحيط - والمعنى : وأتباعه ورجاله .