تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
وحديثها ، وكيف يوجد إلى موازاة أمير المؤمنين سبيل ببذل جهد ، أو بلوغ حشد ، فإنما نقتدى بهداه ، ونعشو « 1 » بنوره في ديننا ، وليس عجزنا عن أن نجزى حقّه « 2 » ، بواضع عنا مؤنة الدءوب في التحرّى لتأديته ، فإن اللّه عز وجل قد أخبر بفضائل الشكر ومناقبه ، وجعله من أسمائه
« وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ »
وقد قال تعالى
« ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً »
وقال تعالى :
« إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ »
ولولا أنّ اللّه عزّ وجل رضيه لنفسه لأجللناه عن التسمية ، إذ كان أكثر ما نستعمله ونعرفه في مكافأة من منّ وتطوّل ، ثم ثنّى بذكر فضله في العباد ، فإن اللّه تبارك وتعالى افتتح أول ما علّم خلقه بالحمد ، وجعله بدء كتابه وخاتمة دعوة أهل جنّته ، فقال عزّ وجل :
« وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
وخلق اللّه السماوات والأرض ومن برأ وذرأ في الحياة ليبلو عباده بشكره ، وأعدّ الجنة في الآخرة لمن شكره ، والنار لمن كفره ، وقال اللّه تعالى :
« وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ » ،
وقال اللّه تعالى
« وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ،
فجعل التّقوى واقعة « 3 » ، والشكر مرجوّا ، ليدلّ على ارتفاع رتبته ، وعلوّ درجته عنده ، وقال لنجيّه موسى عليه السلام :
« إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ »
فلم يكلّفه إلا أخذ ما أعطاه ، والشكر على ما آتاه ، وأخبر بعزّته في العباد فقال تعالى :
« وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » .
هامش
( 1 ) عشا النار وإليها : رآها ليلا من بعيد فقصدها مستضيئا ، كاعتشاها ، وبها . ( 2 ) في الأصل « وليس علينا بأنا لن نجزى حقه » . ( 3 ) أي واجبة .