وتفسير هذا أن اللّه عز وجل أنزل التوراة على موسى في طور سيناء ، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في جبل ساعير ، وهو جبل بالشام ، وأنزل القرآن على محمد صلى اللّه عليه وسلم في جبال فاران ، وهي بلاد مكة ، وأنتم تجدون ذلك في كتبكم مكرّرا ، وتعرفونه جميعا بلغتكم .
ومن ذلك قول اللّه عز وجل لموسى عليه السلام : « سأقيم لهم من إخوتهم مثلك أجعل كلامي على فمه ، ولا يتكلم إلا بما آمره به « 1 » » فمن إخوة بني إسرائيل إلا بنو إسماعيل ؟ أما تعلم أن لو كان اللّه عز وجل يعنى أحدا منهم لقال لهم : أقيم لكم نبيا منكم !
فإن قلتم : إنما قال من إخوتكم ، وهو يريد من أنفسكم ، فهب أمير المؤمنين قبل هذا الخلف منكم ، ووسّع في هذا المجال لكم ، فكيف تصنعون بقول اللّه عز وجل في التوراة : « مثل موسى في بني إسرائيل لا يقوم » فهل تجدون من هذا مخرجا ، ومن الإيمان أنّ المعنى وقع على محمد صلى اللّه عليه وسلم بدّا ؟ ألا تسمع قول اللّه عز وجل ؟ « أجعل كلامي على فمه كي يعنى به ، أمّىّ لا يقرأ ولا يكتب » .
أوليس قد أمر عيسى عليه السلام حواريّيه أن يقولوا في صلواتهم : « يا أبانا الذي في السماوات تقدّس اسمك « 2 » » كيف صار عيسى دونهم ابنا ، وصار دونه أبا وهم يقولون :
« يا أبانا » ؟ أم كيف لم يجعل سليمان بن داود إلها ، وقد قال اللّه عز وجل لداود :
« يولد لك غلام يسمّى لي وأسمّى له » ؟ ولم لا يجعلون إسرائيل إلها وقد قال اللّه عز وجلّ له : « أنت بكرى » بل لم لا يسمّون المؤمنين عامة والحواريّين خاصّة آلهة ، وقد قال المسيح للحواريّين : « أنتم إخوتي » وقد قال في الإنجيل : « أعط كل من آمن بي سلطانا
هامش
( 1 ) ورد في سفر التنية ( الإصحاح 18 آية 15 ) من الكتاب المقدس : « يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون » .
( 2 ) ورد في إنجيل متى ( الإصحاح 6 آية 9 ) من الكتاب المقدس : « فصلوا أنتم هكذا : أبانا الذي في السماوات ، ليتقدس اسمك » .