تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
المقرّبين ، وهزيمة نفير المشركين التي نجمت الأمور عليها ، وتناهت الحال بهم إليها ، أم قبضة من تراب يسير ، ما ملا المناخر من عدد كثير ؟ فلئن قلتم : إن هذه آيات بيّنات ، وعلامات واضحات ، ولكنا لا نقرّ لكم بها ، ولا نؤمن بقولكم فيها ، أفتؤمنون أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، مع ما نسبتموه من الفضل إليه ، كان يختلقها كذبا من تلقاء نفسه ، ثم يدّعيها وحيا من عند ربّه ، وهو لا يدرى لعلّ الأمور تقع بخلاف ما يقول ، فيظهر كذبه ، ويرفضّ تبعه . ويزعم أن أصحابه كانوا كثيرا أقوياء ، نشاطا جلداء ، فكان على معرفة بقوّتهم ويقين من غلبتهم ، فقد قال اللّه عزّ وجل :
« وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ . يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ »
ولم يكن الرسول ولا غيره ليخبر أصحابه من أمورهم بما يجهلون من أنفسهم ، ثم يدّعى ذلك تنزيلا من ربهم ! هذا لا تقبله الآراء ، ولا تقرّ به الحكماء ، ولا يحدّه النظر . أم تقولون : إنما أراد محمد صلى اللّه عليه وسلم ببشارته لهم ، وإخباره ما أخبرهم من هزيمة اللّه عدوّهم ، أن يشجّع جبنهم ، ويقوّى ضعفهم ، فكيف إذن لم يثق « 1 » لما كان يرى من كثرة المشركين وقوتهم ، وضعف المسلمين وقلّتهم - بظهور الأنباء على خلاف قوله ، وأن يحتال ؟ ؟ ؟ « 2 » الخبر على غير ظنه ، فيقع ظفر يكذّب نبوّته ، ويقطع حجّته ، ويكون له ما بعده ؟ وكيف إذن لم ينسب الأمر إلى نفسه ، وينحّى الخبر عن ربه ، ليكون الخطر أصغر ، والشأن أيسر ، إن جرت الأقدار بما يحذر ، أو وقعت الأمور على ما يكره ؟ ولكنه أثبته في كتاب مسطور ، ورقّ « 3 » منشور ، فعل لعمر اللّه يدل على النبوة التي كان بها واثقا ، ويهدى إلى الوحي الذي كان إليه ساكنا .
هامش
( 1 ) في الأصل « يبق » وأراه مصحفا . ( 2 ) هكذا في الأصل ولعله « يجئ » . ( 3 ) الرق : جلد رقيق يكتب فيه .