وضنك من الحال ، مقهورين مقموعين « 1 » ، وقالت الخاصة من المؤمنين حين عاينوا الجموع من المشركين ، وذكروا ما خبّرهم اللّه من تحزّبهم عليهم ، ومسيرهم إليهم :
« هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً »
فبينا أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم في مضابق تلك الحال ، وشدة ذلك الخصال « 2 » ، وعموم تلك البلايا الباهظة ، والأمور الفادحة ، التي قد أخذ بأنفاسهم غمّها ، وبلغ مجهودهم كربها ، رافعين إلى اللّه عز وجل أيديهم ، يقلّبون في السماء أعينهم ، إذ أرسل اللّه على تلك الجنود الكثيفة ، والجموع العظيمة ، والأحزاب المقتدرة ، ريحا من الأرض ، وجنودا من السماء ، فقطعت الأبنية ، وطيّرت الأمتعة ، وسفت التراب في العيون ، وقذفت الرعب في القلوب ، فولّوا مدبرين ، وخرجوا منهزمين ، لا يلوى « 3 » والد على ولد ، ولا مولود على أحد ، أمر صدق اللّه فيه قوله ، وأنجز به وعده ، وهزم الأحزاب وحده ، وذكّر المؤمنين نعمته فيهم ، وعرّفهم منّته بهم ، فقال :
« اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا »
وقال عز وجل :
« وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً »
ما كان اللّه عز وجل ليقتصّ على المسلمين في أنفسهم إلا ما قد رأوه بأعينهم .
لولا أن هذا ما لا ينكره عقلك ، ولا يدفعه نظرك ، لما جادلتك بالكتاب ، ولا نازعتك بالتنزيل ، وإني لأترك من آيات النبي صلى اللّه عليه وسلم وعلامات الوحي ، ما هو أعظم من هذا وأبين ، وأجلّ وأوضح ، ولكن ليس لي أن أحاجّك من آيات
هامش
( 1 ) أي مقهورين مذلولين .
( 2 ) خصل القوم خصلا وخصالا : نضلهم .
( 3 ) أي لا يقف ولا ينتظر .