تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وصف لهم حالهم ، وأذكرهم فعلهم ، ولم يكن النبي صلى اللّه عليه وسلم ليصف لهم عن اللّه ما يجهلون ، ولا ليذكّرهم من أمره ما لا يعرفون ، حذارا أن تنكسر عزائمهم ، وتتغيّر بصائرهم ، فتنهزم أفئدتهم ، وتموت نجدتهم ، وتختلف كلمتهم ، فقال اللّه عزّ وجل :
« إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً »
حتى قالت طائفة منهم لأهل المدينة :
« يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا »
وقالت طائفة أخرى : يا رسول اللّه ، إن بيوتنا عورة « 1 » فأذن لنا ، يقول اللّه تعالى :
« وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً »
فبيناهم على تلك الحال قد أجمعت العرب تفريقهم في الجبال ، وتقسيمهم بالقداح « 2 » ، وأخذهم بالأيدي ، إذ قال لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما ينبئهم به من علم الغيوب ، ويبشّرهم به من أمر الفتوح ، « إن اللّه سينصركم على جمع الروم ، ويغلب لكم جموع فارس ، فيهزم لكم جنودهم ، ويورثكم قصورهم ، ويستخلفكم في الأرض من بعدهم ، ويبدلكم من بعد خوفكم أمنا » وعدا صدّقه الكتاب ، وبشارة نطق بها الوحي ، فقال :
« وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً »
فقال أقوام وأناس ارتابوا حين تضايقت الحال ، وتزلزلت الأقدام ، وطارت القلوب ، ودارت العيون ، وأشرف الموت :
« ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً »
أيعدنا هزيمة جموع الأحزاب ، وفتح قصور الشام ، وغلبة جنود كسرى ، وقد سالت القبائل علينا من كل جانب ، وأحدق الموت بنا من كل مكان ، فبقينا في مسغبة « 3 » من الجوع ، ومجهدة من الخوف ،
هامش
( 1 ) أي يخشى عليها لأنها غير حصينة . ( 2 ) القداح : قداح الميسر ، والمعنى : يتقامرون ( أو يتآمرون ) على تشتيتهم وتمزيقهم . ( 3 ) المسغبة : المجاعة .