تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
إنّ في قولهم الآن لأعظم نور وبيان ، وأبين من ذلك لكم ، وأصحّ لمن عقل إن شاء اللّه منكم ، إخبار اللّه عزّ وجل حين جعلت الكواكب حفظا من كل شيطان مارد أنهم
« لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً
« 1 »
وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ »
مع إخباره في الحال الأولى أنهم يسمعون ويقعدون وينزلون ويستطيعون ويتلون على ملك سليمان ، فكن لهذا من الحافظين ، وفيه من المفكّرين . ومن آيات النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه لما نفرت القبائل من أعلام الشرك بجموعها ، وتداعت القادة من صناديد الكفر بأتباعها ، حذرا على عير « 2 » لها أقبلت من الشام ، بصنوف رغائب أموال عظام ، فكانت العير والنّفير طائفتين : طائفة ذات عدّة كثيرة وشوكة شديدة ، وطائفة ذات أموال رغيبة ورجال قليلة ، وفرصة ممكنة ، أخرج اللّه عز وجل نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ووعده ومن معه من المسلمين إحداهما ، فكره المؤمنون جموع المشركين ، وأراد اللّه عز وجل أن يقطع دابر الكافرين ، ويشيّد بذلك أركان الدين ، فلما تراءت الفئتان ، وتناوشت الفرسان ، وتلاقى الناس ، وقبل ذلك ما قال اللّه عز وجل :
« سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ »
قبض النبي صلى اللّه عليه وسلم قبضة من تراب ، حثاها في وجوههم ، فلم يتناه دون مناخرهم وعيونهم ، فانصرفوا منهزمين بلا كثير قتال من المسلمين ، يأهل الكتاب فأيّتها آية أعظم حجة ، وأوضح بينة ، وأقهر غلبة من هذه التي لو صدرت الأمور بلا تحقيق لها ، لانفضّت الجموع من المسلمين كفّارا بها ، أبشارة اللّه المسلمين بأمداد الملائكة
هامش
( 1 ) الدحور : الطرد والإبعاد والدفع - واصب : شديد . ( 2 ) العير القافلة ، أو الإبل تحمل الميرة ، بلا واحد من لفظها ، يشير إلى عير قريش التي أقبل بها أبو سفيان بن حرب من الشأم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( وهو بالمدينة ) قد تحين رجوعها من الشأم إلى مكة ، فندب المسلمين للخروج معه بغية الظفر بها ، ولما علم أبو سفيان أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معترضون ، له ساحل بالعير ، وبعث إلى قريش أن محمدا وأصحابه معترضون لكم فأجيروا تجارتكم ، فأدركتهم حميتهم ونفروا سراعا ، وكان من وراء ذلك غزوة بدر الكبرى كما هو مشهور ، والنفير : القوم يستنفرون للحرب ، وهم هنا مشركو قريش الذين خرجوا يستنقذون العير ، وكان رئيسهم عتبة بن ربيعة .