تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
إلا ليالي ملئت السماء من الشّهب ، وباللّه لو ادّعيتم غير ذلك فكان حقا ، وكانت القالة منكم صدقا لما كانت الدعوى بناقضة لآية النجوم حجّة ، ولا مدخلة على أحد فيها شبهة ، لأن رميا يقع فرط السنين من الكواكب ، لا يبطل رجما قد ملأ السماء من كل جانب ، ثم لو لم تكن النجوم آية دامغة « 1 » ، وحجة بالغة ، ودلالة قاهرة ، وعلامة باهرة ، وأمارة ظاهرة ، وشهادة قاطعة ، وبيّنة عادلة ، وداعية قائمة ، تبطل أظانين المشركين ، وتردع أقاويل المنافقين ، لما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ليعظّم أمرها ، ولا ليكرّر في آي القرآن ذكرها ، رهبة لمناهضة أحياء العرب ، ومعرفة بمجادلة إخوان الكتب ، الذين لو وجدوا فيما كتب به إليك أمير المؤمنين من أمر النجوم ، واحتجّ به عليك من ذكر الرّجوم ، موقعا لظنّ ، أو معلما بطعن ، أو مغمزا لقول ، لناصبوه إذن بالمجادلة ، وكاشفوه بالمنازعة ، وجاهروه بالقول الذي لا يستطيع له ردّا ، ولا يطيق له جحدا ، ولكنها آيات ملأت الإفطار كثرة ، وحسرت الأبصار قوة ، قد وجّلت العقول ، وولهّت القلوب ، وملأت النفوس جزعا ووجعا ، وفزعا شغلهم عن الأولاد ، وأذهلهم عن البلاد ، حتى بلغ أمير المؤمنين ، وتقرّر عند فقهاء المسلمين أن اللّه عز وجل لما ملأ السماء حرسا ، وأحدث لها رصدا ، وخلق فيها شهبا ، ذكرت العقلاء من العرب وقعات اللّه عز وجلّ في الكتب بقوم نوح وعاد وثمود وأشباههم من مؤلّفى تلك الجنود ، الذين كانوا أشدّ بطشا ، وأكثر جمعا ، فانفرجت أيديهم عن كرائم أموالهم ، وأرسلت أنفسهم متائن عقدهم ، وإن أهل الطائف لمّا فعلوا ذلك بأموالهم ، وأجمعوا فيه الخروج إلى فقرائهم ، قام فيهم رجل منهم ذو سنّ وعقل فقال : يا معشر العرب ، لا تهلكوا أنفسكم قبل أن تهلكوا ، ولا تخرجوا من أموالكم قبل أن تخرجوا ، تفقّدوا مواقع نجوم السماء ، وكواكب بدور الدّجى ، فإن كانت النجوم التي حدث الرمي بها ، والنجوم التي أخليتم الأموال
هامش
( 1 ) في الأصل « دافعه » والمعنى عليها صحيح ، ولكن يظهر أنها « دامغة » .