تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
إله غيره ، الذي تعالى عن شبه المحدودين بعظمته ، واحتجب دون المخلوقين بعزّته ، فليست الأبصار بمدركة له ، ولا الأوهام بواقعة عليه ، انفرادا عن الأشياء أن يشبهها ، وتعاليا أن يشبهه شئ منها ، وهو الواحد القهّار ، الذي ارتفع عن مبالغ صفات القائلين ومذاهب لغات العالمين ، وفكر الملائكة المقرّبين ، فليس كمثله شئ ، وله كل شئ ، وهو على كل شئ قدير . أما بعد ، فإن اللّه جل ثناؤه ، وتباركت أسماؤه ، قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم فيما أنزل من آيات الوحي إليه :
« ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ »
فرأى أمير المؤمنين من أحسن قوله ، وأفضل فعله ، أن يكون إلى سبيل ربه داعيا ، وبرسوله صلى اللّه عليه وسلم متأسّيا ، ولقوله :
« وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ »
موافقا ، وكنت - من كتب اللّه المنزّلة ، وآياته المفسّرة ، وخلقه الكثير - بحيث رجا أمير المؤمنين استماعك لموعظته ، وانتفاعك بمجادلته انتفاع بشر كثير وخلق عظيم ، قد بؤت بأوزارهم مع وزرك ، واحتملت من آثامهم إلى إثمك فأحبّ أن يدعوك ومن رجا أن ينتفع بدعوته معك ، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه ، فإن تولّيتم عن ذلك رغبة عنه ، أو تركتموه زهادة فيه ، فاشهدوا بأنّا مسلمون ، واستمعوا ما أمير المؤمنين واصف لكم ، ومحتجّ به إن شاء اللّه عليكم ، بقلوب شاهدة ، وآذان واعية ، ثم اتّبعوا أحسن ما تستمعون ، ولا قوة إلا باللّه . فإن اللّه عزّ وجل يقول فيما أنزل من كتابه ، واقتصّ على عباده :
« فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ »
إن اللّه تبارك اسمه ، وتعالى جدّه ، وصف فيما أنزل من آياته ، وشرح من بيّناته ، الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، والملل المتفرقة ، الذين يجعلون مع اللّه