تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ »
. والعجب : كيف يصف مخلوق ربّه ، أو يجعل معه إلها غيره ! وهو يرى فيما ذكر اللّه من هذه الأشياء ، صنعة ظاهرة ، وحكمة بالغة ، وتأليفا متّفقا ، وتدبيرا متصلا ، من السماء والأرض ، لا يقوم بعضه إلا ببعض ، متجلّيا بين يديه ، ماثلا نصب عينيه ، يناديه إلى صانعه ، ويدلّه على خالقه ، ويشهد له على وحدانيته ، ويهديه إلى ربوبيّته
« فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ »
حقا ما كرّر هؤلاء الجاهلون بربهم ، الضالّون عن أنفسهم ، في خلق اللّه النظر ، ولا رجعوا - كما قال اللّه عز وجل - الفكر ، ولو أعملوا فكرهم ، وأجهدوا نظرهم ، فيما تسمع آذانهم ، وترى أبصارهم ، من حوادث حالات الخلق ، وعجائب طبقات الصّنع ، لوجدوا في أقرب ما يرون بأعينهم : من التأليف لتركيب خلقهم ، والأثر في التدبير بصنعهم ، ما يدلّهم على توحيد ربهم ، ويقف بهم على انفراده بخلقهم ، فإنهم يرون في أنفسهم بأعينهم ، ويجدون بقلوبهم ، أنها مخلوقة صنعة بعد صنعة ، ومحوّلة طبقة عن طبقة ، ومنقولة حالا إلى حال : سلالة من طين ، ثم نطفة من ماء مهين « 1 » ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظما كساه اللّه عز وجل لحما ونفخ فيه روحا فإذا هو خلق آخر ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين ، الذي خلق في قرار مكين ، من ماء قليل ضعيف ذليل ، خلقا صوّره بتخطيط ، وقدّره بتركيب ، وألّفه بأجزاء متّفقة ، وأعضاء متّصلة ، من قدم إلى ساق إلى فخذ إلى ما فوق ذلك ، من مفاصل ما يعلن ، أو عجائب ما يبطن ، ليعلم الجاهلون ، ويوقن الجاحدون ، أن الذي صنع ذلك وخلقه ، ودبّره وقدّره ، وهيّأ ظاهره وباطنه ، إله واحد لا شريك معه ، فلا يذهبنّ ذكر هذا صفحا عنكم ، ولا تسقط حكمته جهلا به عليكم ، وفكّروا
هامش
( 1 ) المهين : الحقير .