تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
قد ترون بعيونكم وتعلمون بعقولكم ، أن اللّه عز وجل خلق للأنام الأرض ، وجعلها موصولة بالخلق ، فليس يدحوها « 1 » إلا لهم ، ولا يديمها إلا معهم . وجعل ذلك الخلق متصلا بالنّبت ، لا يقوم إلا به ، ولا يصلح إلا عليه ، وجعل ذلك النبت الذي جعله متاعا لكم ، ومعاشا لأنعامكم متّصلا بالماء الذي ينزل من السماء بقدر معلوم لمعاش مقسوم ، فليس ينجم « 2 » النبت إلا به ، ولا يحيا إلا عنه ، وجعل السحاب الذي يبسطه كيف يشاء ، متصلا بالريح المسخّرة في جوّ السماء تثيره من حيث لا تعلمون ، وتسوقه وأنتم تنظرون كما قال اللّه عز وجل :
« وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ »
ووصل الرياح التي يصرّفها في جوّ السماء ، بما يؤثّر في خلق الهواء ، من الأزمنة التي لا تثبت الهواحر « 3 » إلا بثباتها ، ولا يزول عنه برد إلا بزوالها ، ولولا ذلك لظلّ راكدا بالحرّ المميت ، أو مائلا « 4 » بالبرد القاتل ، ووصل الأزمنة التي جعلها متصرّفة متلوّنة بمسير الشمس والقمر الدائبين لكم ، المختلفين بالليل والنهار عليكم ، وجعل مسيرهما الذي لا تعرفون عدد السنين إلا به ، ولا مواقع الحساب إلا من قبله ، متصلا بدوران الفلك الذي فيه يسبحان ، وبه يأفلان ، ووصل مسير الفلك بالسماء للناظرين سواء ، فهذا خلق اللّه عز وجل ، ما فيه تباين ولا تزايل ولا تفاوت ، كما قال سبحانه وتعالى :
« ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ »
ولو كان للّه شريك أو معه ظهير « 5 » عليه ، يمسك منه ما يرسل ، ويرسل منه ما يمسك ، أو يؤخّر شيئا من ذلك عن وقت زمانه أو يعجّله قبل مجىء إبّانه ، لتفاوت الخلق ، ولتباين الصنع ، ولفسدت السماوات والأرض ، ولذهب كل إله بما خلق كما قال عز وجل - وكذّب المبطلين -
بَلْ أَتَيْناهُمْ *
هامش
( 1 ) دحاها يدحوها : بسطها . ( 2 ) نجم كنصر : طلع وظهر . ( 3 ) الهواجر : جمع هاجرة ، وهي شدة الحر . ( 4 ) في الأصل « مايلا » ، أو صوابه « ماثلا » . ( 5 ) الظهير : المعين .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 220 | أحمد زكي صفوت