تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
أقدم إقدام ذي الحجّة ، فلم ير مثلها نارا خبت « 1 » ، وسحابة أقشعت ، لم يسفك بها دم امرئ مسلم صبرا ، ولم ينتهك فيها حرمة محرّم إباحة ، وذلك أنه بسط يده بسط من يريد الاستصلاح لا من يريد الانتقام ، فلم يلبث الظالع « 2 » أن رجع عن ظلعه ، والناطق أن صمت عن بدعته ، والناكث أن رجع إلى قصده ، وازداد البرىء على البراءة فرحا ، والسّالم بالسلامة اغتباطا . ولم نر مثله فيما أفضى اللّه به إليه من خلافته ، وحمّله من أمور عباده ، أمّا ليله بمناجاة ربّه فيها واستعانته إياه عليها فساهر ، وأمّا نهاره في جلب فيئها وإحكام أمورها فتعب ، وأما صدقاته على فقرائها وأهل الحاجة فجارية ، وأما مجلسه من فقهائها وصلحائها فغاصّ « 3 » ، وأما غلظته على ظالمها فعتيدة « 4 » ، وأما إفضاله لمظلومها فمبسوط ، ولئن كان الحق لزم أقواما استوجبوا في أنفسهم وأموالهم ، إنّا لنعلم أنّ ما ترك أكثر ، وأنه لولا ما خفّف من الوطأة على أقوام لحمّل الواحد منهم مثل الذي حمّله للجميع ، ولكنه رضى بالعفو ، وسخا نفسا عن الاستقصاء ، فأوجب أن يبسط يدا بغلظة ، ويتبعها أخرى بلين ، فكان من ذلك نظره في هذه البقايا التي هي فىء المسلمين ومال اللّه ، غير أن اللّه جعله قيّمه فيه ، وفي أخذه وصرفه في وجوهه ، فلما رأى ضراوة « 5 » العمّال بها ، ومصانعتهم دونها ، وأن قد صارت كالسّنّة اللازمة ، لا يدعها عفيفهم تورّعا ، ولا شريفهم تنزّها ، أحبّ مع توفيره للمسلمين فيئهم أن يحدث لهم أدبا يفطم به عنهم أهل الضّراوة ، ويعرف به ذوو الاستخفاف بالأمانة والأمن « 6 » للتّبعة ، أن لهم من تفقّده وأدبه عينا ترمق ، ويدا تقبض ، ولو أنه حين همّ بأخذ تلك البقايا حمل على
هامش
( 1 ) خبت : انطفأت ؛ وأقشع السحاب وانقشع وتقشع : انكشف . ( 2 ) من ظلع كمنع : إذا غمز في مشبه ، والمراد المنحرف الزائغ . ( 3 ) منزل غاص بالقوم : أي ممتلئ . ( 4 ) أي حاضرة مهيأة . ( 5 ) ضري به كرضى ضراوة : لهج به وأغرى ، والمصانعة ، الرشوة والمداهنة . ( 6 ) في الأصل « والأمر » وهو تحريف .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 215 | أحمد زكي صفوت