يرى أن الإقتار الذي نهى اللّه عز وجل عنه هو التبذير الذي يعاقب اللّه فيه ، وأن الاقتصاد الذي أمر اللّه به هو الإسراف الذي يعذّب اللّه عليه ، وأن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمنّ « 1 » ، والبصل بالسّلوى ، إلا لفضول أحلامهم ، وقديم علم توارثوه عن آبائهم ، وأن الضيافة مرفوعة ، وأن الصلة موضوعة ، وأن الهبة مكروهة ، وأن الصّدقة منسوخة ، وأن السّلف « 2 » بدعة ، وأن التوسّع ضلالة ، وأن الجود فسوق وأن السخاء من همزات الشياطين ، وأن مواساة الرجل أخاه من العظائم الموبقة « 3 » ، وأن فضاله عليه إحدى الكبائر الموجبة الهلكة ، وأن اللّه لا يغفر أن يؤثر المرء في الخصاصة على نفسه « 4 » ، فقد ضلّ عند أبي بكر ضلالا يعيدا ، كأن لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الأولى الذين قطع اللّه دابرهم ، ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم ، وكأن لم تأخذ الرّجفة آل مدين « 5 » عنده إلا لسخاء كان فيهم ، ولم تهلك الرّيح العقيم
هامش
( 1 ) المن : طل ينزل من السماء على الشجر ، يحلو وينعقد عسلا ويجف جفاف الصمغ ، وكان ينزل عليهم مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس ، والسلوى : السمانى - بضم السين وتخفيف الميم والقصر - وكانت ريح الجنوب ثبعثه عليهم ، وفي ذلك يقول اللّه تعالى :« أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ » .( 2 ) السلف : القرض الذي لا منفعة للمقرض فيه غير الأجر والشكر ، وعلى المقترض رده كما أخذه .
( 3 ) أي المهلكة .
( 4 ) اقتبسه من قوله تعالى :« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » . *وقوله :« وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » .والخصاصة : الفقر .
( 5 ) مدين : بلد شعيب عليه السلام ، بلد بجزيرة العرب على بحر القلزم ( كقنفذ : وهو البحر الأحمر ) محاذ لتبوك على نحو من ست مراحل ، بناه مدين بن إبراهيم عليه السلام فسمى باسمه ، وعليه . قوله تعالى :« وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ » .ويطلق أيضا على القبيلة ، وعليه قوله تعالى :« وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » . *والرجفة : الزلزلة -