تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وجوهها ، وقسم السّهمان « 1 » الخمسة موفّرة بين أهلها ، وأعلمهم أن أمير المؤمنين لم يأمره ولا من قبله من ولاة اليمن وغيرها إلا بالعدل والإحسان ، وأن أمير المؤمنين يبرأ إلى اللّه من ظلم كلّ ظالم ، وجور كلّ جائر ، وأنه قد خلع ما يتثقّل به عن رقبته ، وجعله في دين الحجبىّ وأمانته ، فلم يبق عند ذلك فرقة من فرق المسلمين ، ولا جماعة من الصالحين ، ولا أحد من الفقراء المساكين ، إلّا دعا لأمير المؤمنين بطول البقاء ، ثم دعوا لك يا أبا على بأفضل الدعاء ، ونشروا عنك أحسن الثناء ، لما ساقه اللّه إليهم بسببك ، وجعله بيمن « 2 » موازرتك وأجراه لهم على لسانك ويدك ، ولما أخذ الحجبىّ فيهم من ورائك ، فإنا قد عرفناه بالرّفق الذي ليس معه ضعف ، وبالشدة التي ليس معها عنف ، وبالجدّ الذي لا يخالطه هزل ، ثم هو مع ذلك قليل الغفلة ، شديد التّهمة ، لا يتّكل على كتّابه ، ولا يفوّض أمره إلى أمنائه ، ولا يطمئنّ إلى جلسائه ، حتى يتفقّد الأشياء بنفسه ، فيورد ما حضر منها على عينه ، ويصدر ما غاب عنه منها على علمه ، لا يمنعه من مطالبة الصغير مزاولة الكبير ، قد أحكم السياسة ، ورسخ في التدبير ، فأشدّ الناس خوفا لغضبه أرجاهم جميعا لمثوبته ، وأقلّهم أمانا لعقوبته أطولهم لزوما لمجالسته ، قد شغل كلّا بنفسه ، فأقبل كل على شأنه ، فليس أحد يجاوز حدّه ، ولا يعدو قدره ، ولا يتكلم إلا فيما يعنيه ، ولسنا نراه بحمد اللّه يزداد في كل يوم إلا شدّة ، ولا تزداد الأمور معه إلا إحكاما ، فليس لمغتاب إليه سبيل ، ولا لمنتقص معه مطمع ، والسلام » . ( مفتاح الأفكار ص 275 ، والمواهب الفتحية 2 : 147 )
هامش
( 1 ) السهمان : جمع سهم ، وهو النصيب ، والسهمان الخمسة ومصرفها مبين في قوله تعالى :« وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ »وذكر اللّه تعالى في الآية للتعظيم ، والمراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين ، فكأنه قال : فأن للّه خمسه يصرف إلى هؤلاء ، لكل منهم خمس الخمس ، والأخماس الأربعة الباقية للفاتحين . ( 2 ) اليمن : البركة ، والموازرة : المعاونة والمساعدة .