حلّافا لجوجا لا يطمع فيما عنده حتى يحلف ألا يفعل ، ولا يرجّى منه أحد ما يعطى حتى يقسم باللّه ألّا يقبل ، فإذا ألحّ في ذلك وأكثر حنث متعمّدا ، وأتى الذي ذكره من ذلك متطوّعا ، لو أنفق ما في الأرض جميعا لم يكن ذلك قدر حنثه في هزله ، فكيف ظنّك بكفّارة حلفه في جدّه ؟ ولو سكن الفالج « 1 » في لسانه لم ينقص ذلك حرفا واحدا من إيمانه ، أشد الناس إكراما لأبعدهم من ذلك استحقاقا ، وأقلّ الناس إحسانا إلىّ أشدهم لذلك استيجابا ، كأن البخل والشؤم صارا جميعا في سهمه ، وكانا قبل ذلك حظّا « 2 » في قسمه ، فاستجمعهما من الورثة ، واستحقّ ما استهلك منهما بالشّفعة ، واستولاهما من كلّ بالقيمة ، وأشهد على حيازتهما أهل الدين والأمانة ، حتى خلصا له من كل بائع ، وسلما من تبعة كل منازع ، فلا يصيب إلا مخطئا ، ولا يحسن إلا ناسيا ، ولا ينفق إلا كارها ، ولا ينصف إلا صاغرا ، ولا يعدل إلا راهبا « 3 » ولا يرفع نفسه عن « 4 » منزلة إلا ذلّ بعد تعزّزه فيها ، ولا يكره خطّة سوء إلّا أصابه ما هو شرّ منها ، لا تردّ أعناق أموره إلا على تعسّف وجهالة ، ولا تصدر أعقاب رأيه إلّا عن حرقة وندامة ، برأي جدّه « 5 » خرجت أمّنا « 6 » ، وشؤم والده « 7 » هدمت قبلتنا ، وعلى يديه ظهر الدجّال فينا ، فمن يهده اللّه يومئذ فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا « 8 » » . ( المنظوم والمنثور 13 : 413 )
هامش
( 1 ) الفالج : مرض يحدث في أحد شقى البدن طولا فيبطل إحساسه وحركته ، وربما كان في الشقين
( 2 ) في الأصل « خمطا » وهو تحريف .
( 3 ) أي خائفا ، وفي الأصل « راغبا » وهو تحريف .
( 4 ) الظاهر أن صوابه « إلى » .
( 5 ) يعنى الربير بن العوام .
( 6 ) يعنى أم المؤمنين السيدة عائشة .
( 7 ) يعنى عبد اللّه بن الزبير ، وقد عاذ بالكعبة وقاتله الحجاج ورمى الكعبة بالمنجنيق كما قدمنا في الجزء الثاني .
( 8 ) الآية الكريمة :« مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ » . *