تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
موفّقا ، ومن كل سوء معصوما ، قد كان أتاني منك كتاب حال عليه الحول عندي ، ولم يمنعني من إجابتك فيه في البدء إلا أن رسولك الموصّل له أخبرني بإجماع منك على بعثه خاصّة من أهلك لمطالعتى ، فكانت الإجابة منى مع خاصّتك أوقع بموافقتى ، ثم رأيتك - واللّه يصلح بالك - قطعت رسلك عنى ، فصار ذلك سببا لإبطاء جوابي عنك ، غير زاهد في إخائك ، ولا راغب عن ودادك ، ولا منكر لجميل حالك ، والفاضل من أقسام اللّه لك فيما منحك وأعارك في عقلك ومحمود صفاتك ووفائك ، فإني وجدت حقائق الأخوّة لا تثبت إلا بمحض المودّة من صحة العقل والمجبول في الطبيعة ، وأصبت العقل قائدا إلى زين العاجلة وحظوتها ، ومحبوب ما يتعاطف به ذوو الحجى فيها ، ويتواصلون به في دوام نعيمها وميسور أمورها ، ودر كالمذخور أجر الآخرة وسعادتها وما ليس له عدل ولا خطر من جزائها وثوابها ، وقد ألزم نفسي من تنافسها في إخائك وضنّها وتمسكها بما أجرى اللّه بيني وبينك ، ما يجاوز مدى المتنافسين في رغائب الأمور المحروص عليها من كنوز الذهب والفضة ، لأنى رأيت الأموال ، وإن كثرت عند من يجمعها ، حتى لا يحصى عددها وتعجز المواضع عنده لما نال منها دانية لديه إلا ريثما تختلف أعصر الدهر عليه فيها بالإتلاف لها ، بالنوائب المفرّقة لما جمع منها ، وكنز الإخاء ممّن استحكمت منه قواه بخالص الصفاء ، أفضل ذخيرة وأحمد مغبّة ، وأمسّ عند ملمّات الدهور منفعة ، وأوصل إلى كل مرجوّ من خير في عاجل أو عاقبة ، من كنوز الأموال المكتنفة المتصرفة ، فعلى ذلك فليكن عندك من الحالة ، وبه فليكن في غابر الأيام لي الثقة ، وإلى اللّه الحول والقوة ، فأمّا قيلك : إنا صرنا عندك - فيما أخلفنا من ظنك ، وبعد الذي اختبرت من شاهدنا ، ووافقك منا - كبرق الخلّب « 1 » الذي يضئ قليلا ، ويضمحلّ وشيكا « 2 » ، فإنّ برق الخلّب لمن عاينه غير متصل له
هامش
( 1 ) البرق الخلب ( بالوصف ) وبرق الخلب ( بالإضافة ) : المطمع المخلف . ( 2 ) أي سريعا .