خلقه ، بابتدائه خلقهم ، ومظاهرته الآلاء « 1 » عليهم ، وإحسانه البلاء عندهم ، وإبلاغه في الحجج إلى عامّتهم - دينا رضيه لنفسه وملائكته الذين أسكن سماواته ورسله فأتمّه على وجه لم يرض إلّا به « 2 » ، ولم يقبل إلا إياه ، ثم كان ما أعزّ به نفسه ، وأظهر به نوره ، وأراد أن يبلو « 3 » به عباده ، تحقيقا لما سبق به علمه ، وإنفاذا لما جرت به مقاديره ، أن بعث لما شرع من دينه ، واصطفى لتسبيحه وتقديسه من ملائكته المقرّبين ، من ارتضى واختار من أنبيائه ورسله المجتبين « 4 » لتبليغ رسالته وإظهار حقه ، واستشلاء « 5 » من أراد سعادته من خلقه بالرحمة التي اطّلعت عليهم وعمّتهم ، ليعبد مخلصا له ، محمودا بما استحمد به إلى خلقه ، مشهودا له بما أشهد به من كلمة الحق ، فكان منهم التبليغ لما أرسلوا به ، والنصيحة لمن أرسلوا إليه ، غير مختلفين فيما بعثوا له ، ولا متفرّقين فيما استعملوا فيه ، يدعوهم آخر إلى ما دعاهم إليه أول ، فيصدّق بذلك بعضهم بعضا ، ويهدون إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، فمضت رسل اللّه وأنبياؤه على ذلك ، سالكين منهاج الحق وسبيله ، والدّعاء إلى اللّه عز وجل وإلى طاعته ، هادين مهديّين ، غير مبخوسين شيئا مما كانوا أهله في المنزلة عند اللّه ، والقربة منه ، والوسيلة إليه ، هم ومن آمن بهم وعزّرهم « 6 » واتّبع النور الذي أنزل معهم ، حتى تقضّت بهم الأعمار ، وتقطّعت بهم الآثار ، وتخرّمتهم « 7 » الآجال » .
( اختيار المنظوم والمنثور 13 : 277 )
هامش
( 1 ) الآلاء : النعم ، ومظاهرتها : مضاعفتها ، والبلاء : النعمة أيضا .
( 2 ) في الأصل « فأتمن على وجه من لم يرض إلا به » وهو تحريف .
( 3 ) بلاه يبلوه : اختبره .
( 4 ) اجتباه : اختاره .
( 5 ) الاستشلاء : الاستنقاذ من الهلكة .
( 6 ) التعزير : التفخيم والتعظيم .
( 7 ) تخرمته المنية واخترمته : أخذته واقتطعته .