مبلغا لا يضيره « 1 » معه عداوة عدو ، ولا خذلان خاذل ، ولا يستجيش « 2 » من لم ينصره اليوم لو لم يكن له نصير .
وقد رآك أمير المؤمنين خلطت اعترافا باعتذار ، وتنصّلا بمجاحدة ، فأمّا الذنب فمغفور متجاوز عنه ، وأما العذر والحجة فلم يعرفهما أمير المؤمنين ، ولم يثبتا لك ، ولو ثبتا لك لم يزد ذلك من رضاه عنك ، ورأيه فيك ، على ما رأيت مستحكما لك عنده .
وأمّا قرب بعض أصحابك لبعض حتى يدعوهم ذلك إلى الشهادة بسفك دمائهم ، فإن ذلك قد عمّ الناس بكل أفق ، وهو راجع إليك جوابا يجب أن تفهمه وتدبّره ، وهو يستعيذ باللّه من زلل « 3 » الغىّ ، وخطل القول ، وشبهات العمل ، وزينة الهوى ، وخطرات الشيطان .
اعلم أن هذا الجند الذين استرعيتهم ، وأعنت بطاعتهم ونصرتهم ، من أفضل أهل الأرض عليك حقا ، وأن حقّهم هو حقّ اللّه عز وجل ، وحق أمير المؤمنين ، وحق همّة نفسك على نفسك ، وأنه إن وصل إلى أقصاهم دارا ، أو أدناهم منزلا ، ضياع ، كان ذلك لك ماسّا ولو لم تشعر به ، وأنك لا تقدر لهم على شئ مما تلتمس به صلاح أمورهم ، من بذل مال ، أو مواساة بنفس ، هو أعمّ لهم نفعا ، وأغزر عليهم غناء ، من أدب صالح تأخذهم به ، وسيرة صالحة تحملهم عليها ، من العفاف في الدين ، والحضور للصلوات ، والتعلّم للقرآن ، والتكرّم في الأخلاق ، والتزيّن بالوقار والصدق والكفّ عن الشبهة ، مع أن عفو الوالي عما بدا له أن يعفو عنه ، ليس ذلك بإبطال شهادة من شهد عليه ، وإنما يكون ذلك لو كانت حقوقهم فيما بينهم ، فلا يستطيع الإمام أن يبطلها ، وأما إذا كان الحق حقّ الإمام يمضى فيه ما أحبّ ، ويعفو عما أراد ، فمن ذا الذي يخاصمه في حقه ، وينهاه عن التثبّت فيما اشتبه عليه ، والعفو فيما أحبّ العفو عنه ؟ أوليس قد يكفر الرجل بعد إيمانه ، ثم يثبت ذلك عليه ، إمّا بإقراره ، وإما ببيّنة
هامش
( 1 ) ضاره يضيره : ضره .
( 2 ) استجاشه : طلب منه جيشا ، أي استنصره .
( 3 ) في الأصل « من ذلك » وهو تحريف .