تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
رحما « 1 » ونصيحة له ، فإن الجهاد جهاد المرء نفسه ثم حامّته « 2 » ، لأن النفس أمّارة بالسوء ، والناس متزيّنون بالباطل ، والشيطان شديد العداوة ، لطيف « 3 » الغشّ ، بصير بالعورة ، معدّ للفرصة ، قد التمس أن يصعّب على نفسه ما ذلّل اللّه ، ويحمل عليها مؤنة ما قدّم اللّه فيه الصّنع والكفاية . قد علم أمير المؤمنين أنه لم يبلغ غاية التأديب ، فإنه لا يبلغ ذلك دون انقطاع الأمور التي يحتاج فيها إلى الأدب ، وليس لها نهاية دون الفناء ، ولم يصبح يتعهّد أحدا من الناس بعد نفسه أحقّ منك بتعهّده ، لأنك الثقة له ، ولعدوه الثائر « 4 » الأعظم ، وإن الناس بأوساط الأرض وأقطارها يصيخون « 5 » بأسماعهم إلى خبر : يودّون أن تزلّ قدم بعد ثبوتها ، وتفسد حال بعد صلاحها ، وتكلّ بصيرة بعد نفاذها ، متخذين ذلك ذريعة إلى الإخلال بحق أمير المؤمنين ، ولم يكن بين طاعته ومعصيته إلا ساعة من نهار . وأمير المؤمنين لا ينكر قرب الطاعة من المعصية ، قرب بعض الأمور من بعض ، لسرعة تقلّب القلوب ، واختلاف الحالات عند ميل الهوى ، ولا ينكر جرى المقادير بغيب ذلك عن العباد ، واستئثار اللّه بعلم ما لم يأتهم إلا بغتة ، بل قد علم أمير المؤمنين أن أقواما في قلوبهم ضغائن دونها الغدر يظهر أسرارهم ، ويخرج أضغانهم ، ثم يبلغ بغضبه منهم ما لم يكن ذلك عنده عزيزا ، ولم يكن بهم امتناع ، غير أنه قد أنكر وأنعم « 6 » أن تعجل إلى « ابن ماهان » - وإن كان محلا بارزا - بأمر دون مؤامرته « 7 » ، ويكره لك العجلة فإنها موكّل بها الندم ، وإنه كان يقال : « أصاب متأمّل أو كاد » وقالت العرب « فإمّا ترينّ أمرا رشدا ، فتبيّن ثم ارعو ، أو أقدم وأحكم » ولحقّ ما أمر اللّه عز وجل به من التبيّن ، وما حذّر أن يصاب قوم بجهالة
هامش
( 1 ) أي رحمة وعطفا . ( 2 ) الحامة : الخاصة . ( 3 ) أي دقيق ، من لطف ككرم : إذا دق . ( 4 ) أي الآخذ بالثأر . ( 5 ) أصاخ له : استمع . ( 6 ) أنعم : زاد ( أي في إنكاره ) . ( 7 ) المؤامرة : المشاورة ( أي مؤامرة أمير المؤمنين ) .