تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨

509 - كتابه إلى أخيه

وكتب عبد الحميد في مولود ولد له - وهو أول مولود كان - إلى أخ له : « أما بعد ، فإني « 1 » ما أتعرّف من مواهب اللّه نعمة خصصت بمزيتها ، وأصفيت « 2 » بخصيصتها « 3 » ، كانت أسرّ لي من هبة اللّه لي ولدا سميته « فلانا » ، وأمّلت ببقائه بعدى حياة ذكرى ، وحسن خلافة في حرمتي ، وإشراكه إياي في دعائه ، شافعا لي إلى ربه « 4 » عند خلواته في صلاته وحجه ، وكل موطن من مواطن طاعته ، فإذا نظرت إلى شخصه تحرّك به وجدى ، وظهر به سروري ، وتعطّفت عليه منى أنسة « 5 » الولد ، وتولّت عنى به وحشة الوحدة ، فأنا به جذل « 6 » في مغيبى ومشهدي أحاول مسّ جسده بيدي في الظّلم ، وتارة أعانقه وأرشفه . ليس يعدله عندي عظيمات الفوائد ولا منفسات « 7 » الرغائب ، سرّنى به واهبه لي على حين حاجتي . فشدّ به أزرى « 8 » وحمّلنى من شكره فيه ما قد آدنى « 9 » بثقل حمل النّعم السالفة إلىّ به ، المقرونة سرّاؤها في العجب بتارات ما يدركني به من رقّة الشفقة عليه ، مخافة مجاذبة المنايا إياه ، ووجلا من عواصف الأيام عليه .
هامش
( 1 ) في الأصل « فإن مما » وهو تحريف . ( 2 ) أصفاه بكذا : آثره به . ( 3 ) لم ترد هذه الكلمة في كتب اللغة ، وفيها : « خصه بالشئ خصا بالفتح وخصوصا وخصوصية بالفتح فيهما وبضمان وخصيصى بالكسر والقصر ويمد ، وخصية بفتح الأول وكسر الثاني مشددا وتشديد الثالث ، وتخصة بفتح الأول وكسر الثاني وتشديد الثالث ، واختصه : أفرده به دون غيره ، والاسم الخصوصية بالفتح والضم والخصية بكسر أوله وثانيه مشددا ، والخاصة والخصيصى والخصيصاء بكسر أولهما ، وفعلت ذلك به خصية وخاصة وخصوصية » ولم ترد فيها كلمة خصيصة . أقول : وقد شاع في عصرنا هذا استعمال كلمة « خصائص » ولأبى الفتح بن جنى ( وهو من أحذق أهل العلم والأدب ، توفى سنة 392 ه ) كتاب جليل في فقه اللغة سماه « الخصائص » وعندي أنها جمع خصيصة ، وأن هذه الكلمة مما فات مدونى اللغة تدوينها . ( 4 ) بقوله :« رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ » .( 5 ) الأنسة بالتحريك والأنس بالضم وبالتحريك : ضد الوحشة . ( 6 ) أي فرح . ( 7 ) المنفس : النفيس . ( 8 ) الأزر : القوة والظهر . ( 9 ) آده الأمر : بلغ منه المجهود .