تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
آنسات ، قد أحالتهن الضبابة عن شخصنا ، وأذهلهن أنيق الرياض عن السمّاع حسّنا ، فلم نعج « 1 » إلا والضوارى لائحة لهن من بعد الغاية ، ومنتهى نظر الشّاخص ، ثم مدّت الجوارح أجنحتها ، واجتذبت الضوارى مقاودها ، فأمرت بإرسالها على الثقة بمحضرها « 2 » ، وسرعة الجوارح في طلبها ، فمرّت تحفّ حفيف الريح عند هبوبها ، تسفّ الأرض سفّا ، كاشفة عن آثارها ، طالبة لخيارها ، حارشة « 3 » بأظفارها ، قد مزّقتها تمزيق الريح الجراد ، فمن صائح بها وناعر ، وهاتف بها وناعق ، يدعو الكلب باسمه ، ويفديه بأبيه وأمه ، وراكض تحت مفرّه ، وخافق يطلبه الرمح ، وطامح يمنعه ، وسانح قد عارضه بارح « 4 » ، قد حيّرتنا الكثرة ، وألهجتنا القدرة حتى امتلأت أيدينا من صنوف الصيد ، واللّه المنعم الوهاب . ثم ملنا يا أمير المؤمنين بهداية دليل قد أحكمته التجارب ، وخبر أعلام المذانب « 5 » ، إلى غدير أفيح « 6 » ، وروضة خضرة ، مستأجمة بتلاوين الشجر ، ملتفّة بصنوف الخمر « 7 » ، مملوءة من أنواع الطير . لم يذعرهن صائد ، ولا اقتنصهن قانص ، فخفق لها بطبول ، وصفر بنفير الحتف ، فثار منها ما ملأ الأفق كثرتها ، وراعت الجوارح خفقات أجنحتها ، ثم انبرت البزاة لها صائدة ، والصقور كاسرة ، والشواهين ضارية ، يرفعن الطلب لها ويخفضن الظفر بها ، حتى سئمنا من الذبح ، وامتلأنا من النّضيح « 8 » ، كأنا كتيبة ظفرت ببغيتها ، وسريّة نصرت على عدوها ، وألحقت ضعيفها بقويها ، وغلبت محسنها بمسيئها لا نملك أنفسنا مرحا ، ولا نستفيق من الجذل بها فرحا ، بقيّة يومنا ، واللّه المنعم الوهّاب .
هامش
( 1 ) أي فلم نعطف ونرجع ، وفي الأصل يفح » وهو تصحيف . ( 2 ) الإحضار : ارتفاع الفرس في عدوه . ( 3 ) حرشه كضربه : صاده . ( 4 ) السانح من الصيد : ما مر من مياسرك إلى ميامنك ، والبارح : ما مر من ميامنك إلى مياسرك . ( 5 ) المذانب جمع مذنب كمنبر : وهو مسيل الماء إلى الأرض ، ومسيل في الحضيض ، والجدول يسيل عن الروضة بمائلها إلى غيرها . ( 6 ) أي واسع . ( 7 ) الخمر : كل ما واراك من شجر وغيره . ( 8 ) النضيح : العرق .