ثم غدونا يا أمير المؤمنين إلى أرض وصف لنا صيدها بالكثرة ، ورياضها بالنزهة ، فزلّ واصفها عن الطريقة ، واعتمد بنا على غير الحقيقة ، فأتيناها فلم نر صيدا ولا عشبا ، ولا نزهة ولا حسنا ، فجعلنا نسلك منها حزونا « 1 » ووعورا ، وجدوبا وقفر ، حتى قصّر بنا اليأس عن الطلب ، وقطع بنا عن الطمع النّصب . فبينا نحن كذلك إذ بدا لنا جأب « 2 » قد أوفى بنا على حائل « 3 » بهادل غابة ، من ورائها حمير وحش كثيرة فأممناها ، فلما تطرّفنا مشيا « 4 » وتقريبا إلى عاناته ، توالى نهيقه ، وكثر شهيقه ، فالتفتن إليه ، فرمقن بأعينهن منّا ما استكثرن شخصه ، واستهولن أمره ، حتى إذا كنا بمرأى ومسمع انجذبن مولّيات ، وهربن مسيّبات « 5 » ، فأجهدنا الركض في طلبهن ، نتبع آثارهنّ ، ونستشفّ « 6 » يلاء بين أحفار ودكادك وخناذيذ « 7 » ، حتى أشفى « 8 » بنا الطلب لها على واد هائل سائل بجنبتيه غابة أشبة قد سبقن إليها ، واستخفين فيها ، فنظمناها بالخيل نظم الخرز ، ثم أوغلت عدة فرسان في نفضها ومعرفة أحوالها ، والطبول خافقة ، والأصوات شاهقة ، فكان وكان ، والحمد للّه على كل حال » . ( اختيار المنظوم والمنثور 12 : 224 )
هامش
( 1 ) الحزون : جمع حزن بالفتح ، وهو ما غلظ من الأرض .
( 2 ) الجأب : الغليظ من حمر الوحش .
( 3 ) أي ماء جار ، حال الماء على الأرض يحول : انصب ، وأحلت الماء في الجدول : صببته ، وهادل :
أي متهدل ، من هدل كفرح إذا استرخى .
( 4 ) في الأصل « مسيسا » وهو تحريف ، والتقريب : ضرب من العدو ، والعانات جمع عانة : وهي القطيع من حمر الوحش .
( 5 ) جاريات : مسرعات .
( 6 ) استشفه : نظر ما وراءه .
( 7 ) الأحفار جمع حفر بالتحريك ويسكن : وهو البئر الموسعة والتراب المخرج من المحفور ، والدكادك والدكاديك جمع دكدك كجعفر ودكداك : وهو من الرمل ما تكبس واستوى ، أو ما التبد منه بالأرض ، أو أرض فيها غلظ ، والخناذيذ » جمع خنذيذ بالكسر : وهو رأس الجبل المشرف .
( 8 ) أي أشرف .