تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
هذه الصناعة الشريفة ، فإذا ولّى الرجل منكم ، أو صيّر إليه من أمر خلق اللّه وعياله أمر ، فليراقب اللّه عز وجل ، وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقا ، وللمظلوم منصفا ، فإن الخلق عيال اللّه ، وأحبّهم إليه أرفقهم بعياله ، ثم ليكن بالعدل حاكما ، وللأشراف مكرما ، وللفىء موفّرا ، وللبلاد عامرا وللرّعية متألّفا ، وعن إيذائهم متخلفا ، وليكن في مجلسه متواضعا حليما ، وفي سجلّات خراجه ، واستقضاء حقوقه رفيقا ، وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه ، فإذا عرف حسنها وقبيحها ، أعانه على ما يوافقه من الحسن ، واحتال لصرفه عما يهواه من القبيح ، بألطف حيلة وأجمل وسيلة ، وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها ، التمس معرفة أخلاقها ، فإن كانت رموحا « 1 » لم يهجها إذا ركبها ، وإن كانت شبوبا « 2 » اتّقاها من قبل يديها ، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها ، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طريقها ، فإن استمرت عطفها يسيرا ، فيسلس له قيادها ، وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم ، وجرّبهم « 3 » وداخلهم . والكاتب بفضل أدبه ، وشريف صنعته ، ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ، ويفهم عنه أو يخاف سطوته ، أولى بالرّفق بصاحبه ، ومداراته ، وتقويم أوده ، من سائس البهيمة التي لا تحير « 4 » جوابا ، ولا تعرف صوابا ، ولا تفهم خطابا ، إلا بقدر ما يصيّرها إليه صاحبها الراكب عليها ، ألا فأمعنوا « 5 » - رحكم اللّه - في النظر ، وأعملوا فيه ما أمكنكم من الرويّة والفكر ، تأمنوا « 6 » بإذن اللّه ممن صحبتموه النّبوة ، والاستثقال والجفوة ، ويصير منكم إلى الموافقة ، وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة ، إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) رمحه الفرس كمنع : رفسه . ( 2 ) شب الفرس كضرب ونصر : رفع يديه ، وفي المقدمة « من بين يديها » . ( 3 ) وفي صبح الأعشى « وخدمهم » . ( 4 ) أي لا ترد . ( 5 ) فيها « فارفقوا » . ( 6 ) تأمنوا : مجزوم في جواب الأمر : أو بعبارة أخرى جواب لشرط محذوف مع فعل الشرط أي « إن تعملوا . . . تأمنوا » ومن ثم يجوز في « ويصير » ثلاثة أوجه : الجزم والنصب والرفع كما هو مشهور ، فقول بعضهم : « ولعل ثبوت الياء قبل الراء من زيادة الناسخ » مردود .