تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
بكم تنتظم للخلافة محاسنها ، وتستقيم أمورها ، وبنصائحكم يصلح اللّه للخلق سلطانهم وتعمر بلادهم « 1 » ، لا يستغنى الملك عنكم ، ولا يوجد كاف إلا منكم ، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون ، وأبصارهم التي بها يبصرون ، وألسنتهم التي بها ينطقون ، وأيديهم التي بها يبطشون ، فأمتعكم اللّه بما خصّكم من فضل صناعتكم ، ولا نزع عنكم ما أضفاه « 2 » من النعمة عليكم . وليس أحد من أهل الصناعات كلّها ، أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة ، وخصال الفضل المذكورة المعدودة ، منكم أيّها الكتّاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم ، فإن الكاتب يحتاج من نفسه ، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره . أن يكون حليما في موضع الحلم ، فهيما في موضع الحكم ، مقداما في موضع الإقدام ، محجاما في موضع الإحجام ، مؤثرا للعفاف ، والعدل والإنصاف ، كتوما للأسرار ، وفيّا عند الشدائد ، عالما بما يأتي من النوازل ، يضع الأمور مواضعها ، والطوارق أماكنها ، قد نظر في كل فنّ من فنون العلم فأحكمه فإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفى به ، يعرف بغريزة عقله ، وحسن أدبه ، وفضل تجربته ، ما يرد عليه قبل وروده ، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره ، فيعدّ لكل أمر عدّته وعتاده « 3 » ، ويهيّئ لكل وجه هيئته وعادته . فتنافسوا يا معشر الكتاب ، في صنوف الآداب ، وتفقّهوا في الدين ؛ وابدوءوا بعلم كتاب اللّه عز وجل والفرائض ، ثم العربيّة ، فإنها ثقاف « 4 » ألسنتكم ، ثم أجيدوا الخط ؛ فإنه حلية كتبكم ، وارووا الأشعار ، واعرفوا غريبها ومعانيها ، وأيام العرب والعجم ، وأحاديثها وسيرها ، فإن ذلك معين لكم على ما تسموا إليه هممكم ، ولا تضيّعوا النظر في الحساب ، فإنه قوام كتّاب الخراج ، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع :
هامش
( 1 ) فيها « بلدانهم » . ( 2 ) أسبغه . ( 3 ) العتاد : العدة . ( 4 ) الثقاف في الأصل : ما تسوى به الرماح .