الأقدار بأشدّ مناكبها « 1 » ، وكان أمير المؤمنين بمكان من اللّه حاطه « 2 » فيه ، حتى أزّره بأكرم مناطق الخلافة ، فقام بما رآه اللّه له أهلا ، ونهض مستقلّا « 3 » بما حمل منها ، مثبتة ولايته في سابق الزّبر « 4 » بالأجل المسمّى ، خصّه اللّه بها على خلقه ، وهو يرى حالاتهم ، فقلّده طوقها ، ورمى إليه بأزمّة الخلافة وعصم « 5 » الأمور .
فالحمد للّه الذي احتار أمير المؤمنين لخلافته ، ووثاق عرى دينه ، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون ، فرفعه ووضعهم ، فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمور ، أوبق « 6 » نفسه ، وأسخط ربّه ، ومن عدّلته التوبة نازعا « 7 » عن الباطل إلى الحق وجد اللّه توّابا رحيما .
أخبر أمير المؤمنين - أكرمه اللّه - أنّى عندما انتهى إلىّ من قيامه بولاية خلافة اللّه ، نهضت إلى منبرى علىّ سيفان ، مستعد بهما لأهل الغشّ ، حتى أعلمت من قبلي ما امتنّ اللّه به عليهم من ولاية أمير المؤمنين فاستبشروا لذلك ، وقالوا : لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ، ولا هي لنا أسرّ ، من ولاية أمير المؤمنين ، وقد بسطت يدي لبيعتك فجدّدتها ووكّدتها بوثائق العهود ، وترداد المواثيق ، وبغليظ الأيمان ، فكلّهم حسنت إجابتهم وطاعتهم ، فأثبهم يا أمير المؤمنين بطاعتهم من مال اللّه الذي آتاك ، فإنك أجودهم جودا ، وأبسطهم يدا ، وقد انتظروك راجين فضلك قبلهم ، بالرّحم « 8 » الذي استرحموك ، وزدهم زيادة تفضل بها من قبلك ، حتى يظهر بذلك فضلك عليهم على رعيتك .
هامش
( 1 ) معناه أنها لم تنله مأربه ، والمناكب : جمع منكب كمجلس .
( 2 ) حاطه . حفظه وصانه ، أزره : ألبسه الإزار ، والمناطق : جمع منطقة كمكنسة ، وهي ما يشد به الوسط ، والمعنى : قواه بالخلافة .
( 3 ) استقل الشئ : حمله ورفعه كقله وأقله .
( 4 ) الزبر : جمع زبور كصبور وهو الكتاب .
( 5 ) انظر هامش ص 353 .
( 6 ) أي أهلك .
( 7 ) نزع عنه كضرب : كف عنه وانتهى .
( 8 ) الرحم كقفل وعنق ، والرحمة والمرحمة : الرقة والتعطف .