تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
إنك إذن بغير إلّ « 1 » ، عن هوى أمير المؤمنين من ذلك . وأما ما ذكرت مما سبّب اللّه لك ، فإن اللّه قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه ، واللّه بالغ أمره ، لقد أصبح أمير المؤمنين ، وهو على اليقين من ربه ، أنّه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضرّا ولا نفعا ، وأن اللّه ولىّ ذلك منه ، وأنه لا بد له من مزايلته ، واللّه أرأف بعباده وأرحم من أن يولّى أمرهم غير الرّضىّ له منهم ، وإن أمير المؤمنين من حسن ظنه بربه لعلى أحسن الرجاء أن يولّيه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرّضا له به ولهم ، فإن بلاء « 2 » اللّه عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يؤدّيه شكره إلّا بعون منه ، ولئن كان قدّر لأمير المؤمنين تعجيل وفاة ، إن في الذي هو مفض إليه إن شاء اللّه من كرامة اللّه لخلفا من الدنيا . ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك ، فأربع على نفسك من غلوائها ، وارقأ على ظلعك « 3 » ، فإن للّه سطوات وعينا ، يصيب بذلك من يشاء ، ويأذن فيه لمن يشاء ، ممن شاء اللّه ، وأمير المؤمنين يسأل اللّه العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له . ( تاريخ الطبري 8 : 291 )
هامش
( 1 ) الإل : العهد . أقول : وربما كان الأصل « لغير آل » أي مقصر ، من ألا يألو إذا قصر ، والمعنى : لئن كنت تظن أن أمير المؤمنين حريص على الإساءة إليك ، إن ظنك هذا لا يخطئ ما يهواه أمير المؤمنين من ذلك ، يريد بهذا أن يصارحه بأنه يهوى إساءته ويستريح إليها . ( 2 ) أي نعمته . ( 3 ) ربع كمنع : وقف وانتظر وتحبس ، ورفأ في الدرجة كمنع وفرح ورقى : صعد ، وظلع كمنع : غمز في مشيه ، ويقال : اربع عليك أو على نفسك وعلى ظلمك ، أي إنك ضعيف فانته عما لا تطيقه ، وارق على ظلعك ، وارقأ على ظلعك مهموزا : أي ارفق بنفسك ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق - لأن الراقي في سلم إذا كان ظالعا ترفق بنفسه - أو أصلح أمرك أولا وكف واسكت على ما فيك من العيب وأبصر نقصك وعجزك .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 380 | أحمد زكي صفوت