تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
إليه ، وآمرا به ، حتى كان من أجابه من أمته ، ودخل في الدين الذي أكرمهم اللّه به ، مضدقين لما سلف من أنبياء اللّه ، فيما يكذّبهم فيه قومهم ، منتصحين لهم فيما ينهونه « 1 » ذابّين لحرمهم عما كانوا منتهكين ، معظّمين منها لما كانوا مصغّرين ، فليس من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم أحد كان يسمع لأحد من أنبياء اللّه فيما بعثه اللّه به مكذّبا ، ولا عليه في ذلك طاعنا ، ولا له مؤذيا ، بتسفيه له أو ردّ عليه ، إذ جحد « 2 » لما أنزل اللّه عليه معه ، فلم يبق كافر إلا استحلّ بذلك دمه ، وقطع الأسباب التي كانت بينه وبينه ، وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم ، ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوّته ، حين قبض نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، وختم به وحيه ، لإنفاذ حكمه ، وإقامة سنّته وحدوده ، والأخذ بفرائضه وحقوقه ، تأييدا بهم للإسلام ، وتشييدا بهم لعراه ، وتقوية بهم لقوى حبله ، ودفعا بهم عن حريمه ، وعدلا بهم بين عباده ، وإصلاحا بهم لبلاده ، فإنه تبارك وتعالى يقول :
« وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ »
. فتتابع خلفاء اللّه على ما أورثهم اللّه عليه من أمر أنبيائه ، واستخلفهم عليه منه ، لا يتعرّض لحقهم أحد إلا صرعه اللّه ، ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه اللّه ، ولا يستخفّ بولايتهم ويتّهم قضاء اللّه فيهم أحد إلا أمكنهم اللّه منه ، وسلّطهم عليه ، وجعله نكالا وموعظة لغيره ، وكذلك صنع اللّه بمن فارق الطاعة ، التي أمر بلزومها ، والأخذ بها ، والأثرة لها « 3 » ، والتي قامت بها السماوات والأرض ، قال اللّه تبارك وتعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »
. وقال عز ذكره :
« وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، قالُوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ »
هامش
( 1 ) أنهى الشئ : أبلغه . ( 2 ) المعنى : إذ أنه لو فعل ذلك لجحد ما أنزل اللّه عليه . ( 3 ) أي الإيثار والتفضيل لها .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 385 | أحمد زكي صفوت