الإشفاق من سخطه ، والمواظبة على موافقته ، فما بقي لنا بعد إلا صبابة « 1 » وإرث به تجول النفس ، وتطرف « 2 » النواظر ، ولقد سرت بعين « 3 » أمير المؤمنين سير المثبّط لمن يتلوه ، المتطاول لمن يقدمه ، غير مبتّ موجف « 4 » ، ولا متثاقل مجحف ، ففتّ الطالب ، ولحقت الهارب ، حتى ثارت السّنّة « 5 » ، وبادت البدعة ، وخسئ الشيطان ، وحملت الأديان إلى الجادّة العظمى ، والطريقة المثلى ، فهأنذا يا أمير المؤمنين نصب المسألة لمن رامنى ، وقد عقدت الحبوة « 6 » ، وقرنت الوظيفين لقائل محتجّ ، أو لائم ملتجّ « 7 » وأمير المؤمنين ولىّ المظلوم ، ومعقل الخائف ، وستظهر له المحنّة « 8 » نبأ أمرى ، ولكل نبأ مستقرّ ، وما حفنت يا أمير المؤمنين في أوعية ثقيف حتى روى الظمآن ، وبطن الغرثان « 9 » ، وغصّت الأوعية ، وانقدّت الأوكية « 10 » في آل مروان ، فأخذت ثقيف فضلا « 11 » صار لها ، لولاهم لقطته السائلة ، ولقد كان ما أنكره أمير المؤمنين من تحاملى وكان ما لو لم يكن لعظم الخطب فوق ما كان ، وإن أمير المؤمنين لرابع أربعة :
هامش
( 1 ) الصبابة : البقية اليسيرة تبقى في الإناء من الشراب ، وفي الأصل « صابة » وهو تحريف والإرث : البقية من كل شئ .
( 2 ) طرف البصر كضرب : تحرك .
( 3 ) أي بحيث يراني ويعلم أمرى ، المثبط : ثبطه عن الأمر : عوقه وبطأ به عنه ، وفي الأصل « المتثبط » وهو تحريف ، وقدمه من باب نصر : تقدمه .
( 4 ) مبت ، من أبت بعيره : إذا أجهده وأتعبه في السير حتى قطعه وصاحبه منبت أي منقطع عن أصحابه ، لأنه جد في سيره حتى انبت أخيرا ، ومنه الحديث الشريف « إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » وفي الأصل « غير متثبت » وهو تحريف . موجف ، وجف الفرس والبعير وجيفا : عدا ، وأوجفته : أعديته وهو العنق في السير . وأجحف بالأمر : قارب الإخلال به .
( 5 ) ثارت : نهضت وهبت وعادت إلى ما كانت عليه . وخسئ : بعد وطرد .
( 6 ) احتبى : جمع بين ظهره وساقيه بثوب أو غيره ، والاسم الحبوة بالكسر ويضم ، والوظيف : مقدم الساق ، والمعنى : قد تهيأت واستعددت لمن رام مساءلتى ونقاشى .
( 7 ) المراد به : لاج ، أي متماد في الخصومة يأبى أن ينصرف عنها .
( 8 ) محنه : اختبره كامتحنه ، والاسم المحنة بالكسر .
( 9 ) الغرثان : الجائع ، غرث كفرح : جاع ، والبطنة بالكسر : امتلاء البطن من الطعام ، بطن كفرح بطنا وبطنة ، وبطن ككرم : عظم بطنه .
( 10 ) انقدت : انقطعت ، والأوكية : جمع وكاء ككتاب وهو رباط القربة وغيرها ، كنى بذلك عن امتلاء الأوعية واكتظاظها .
( 11 ) أي ما زاد وفضل .