125 - رد عمر على أبى عبيدة
فكتب إليه عمر رضى اللّه عنه :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم . من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة بن الجراح ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإنه بلغني كتابك تذكر إعزاز اللّه أهل دينه ، وخذلان أهل عداوته ، وكفايته إيانا مؤنة من عادانا ، فالحمد اللّه على إحسانه إلينا فيما مضى ، وحسن صنيعه لنا فيما غبر « 1 » ، الذي عافى جماعة المسلمين ، وأكرم بالشهادة فريقا من المؤمنين ، فهنيئا لهم برضا ربّهم ، وكرامته إياهم ، ونسأله ألّا يحرمنا أجرهم ، وألّا يفتننا بعدهم ، فقد نصحوا للّه ، وقضوا ما عليهم ، ولربهم كانوا يعملون ، ولأنفسهم كانوا يهتدون . وقد فهمت ما ذكرت من الأرض التي ظهر عليها وعلى أهلها المسلمون ، فقالت طائفة : نقرّ أهلها على أن يؤدّوا الجزية إلى المسلمين ، ويكونوا عمّار الأرض ، وقالت طائفة : نقتسمهم ، وإني قد نظرت فيما كتبت إلىّ من هذا ، فغرق رأيي فيما سألتني عنه ، إلّا أنى قد رأيت أن تقرّهم ، وأن تحمل الجزية عليهم ، وتقسمها بين المسلمين ، ويكونوا عمّار الأرض ، فهم أعلم بها ، وأقوى عليها من غيرهم ، أرأيتم لو أنّا أخذنا أهلها واقتسمناهم ، من كان يكون لمن يأتي بعدنا من المسلمين ؟ واللّه ما كانوا إذن ليجدوا إنسانا يكلّمونه ، ولا يكلمهم ، ولا ينتفعون بشئ من ذات يده ، وإن هؤلاء يأكلهم المسلمون ما داموا أحياء ، فإذا هلكنا وهلكوا أكل أبناؤنا أبناءهم أبدا ما بقوا ، وكانوا عبيدا لأهل الإسلام أبدا ما دام دين الإسلام ظاهرا ، فضع عليهم الجزية ، وكفّ عنهم السّبى ، وامنع المسلمين من ظلمهم ، والإضرار بهم ، وأكل أموالهم إلا بحقها » .
فلما جاء أبا عبيدة هذا الرأي من عمر عمل به .
( فتوح الشأم ص 124 )
هامش
( 1 ) غبر الشئ كدخل : نقى ومضى ، ضد .