أنيسا ، ذهب الناس وبقي النّسناس « 1 » ، لو تكاشفتم ما تدافنتم ، تهاديتم الأطباق ، ولم تتهادوا النصائح ، قال ابن الخطاب : « رحم اللّه امرأ أهدى إلينا مساوينا » أعدّوا الجواب ، فإنكم مسؤولون ، المؤمن من لم يأخذ دينه عن رأيه ، ولكنه أخذه من قبل ربّه ، إن هذا الحق قد جهد أهله ، وحال بينهم وبين شهواتهم ، وما يصبر عليه إلا من عرف فضله ، ورجا عاقبته ، فمن حمد الدنيا ذمّ الآخرة ، وليس يكره لقاء اللّه إلا مقيم على سخطه .
يا ابن آدم : الإيمان ليس بالتحلّى ولا بالتمنّى ، ولكنه ما وقر في القلوب ، وصدّقه العمل .
( البيان والتبيين 3 : 68 وعيون الأخبار م 2 ص 344 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 469 )
460 - خطبة أخرى
وكان إذا قرأ : « ألهاكم التّكاثر « 2 » » قال :
عمّ ألهاكم ؟ عن دار الخلود ، وجنة لا تبيد « 3 » ، هذا واللّه فضح القوم ، وهتك السّتر ، وأبدى العوار « 4 » ، تنفق مثل دينك في شهواتك سرفا ، وتمنع في حق اللّه درهما ! ستعلم يا لكع « 5 » ، الناس ثلاثة : مؤمن ، وكافر ، ومنافق ؛ فأما المؤمن : فقد ألجمه الخوف وقوّمه ذكر العرض ؛ وأما الكافر : فقد قمعه السيف ، وشرّده الخوف ، فأدعن بالجزية ، وسمح بالضّريبة ؛ وأما المنافق : ففي الحجرات والطّرقات ، يسرّون غير ما يعلنون ، ويضمرون غير ما يظهرون ، فاعتبروا إنكارهم ربهم ، بأعمالهم الخبيثة ، ويلك ؟ قتلت وليّه ، ثم تتمنّى عليه جنّته ؟ » . ( البيان والتبيين 3 - 69 )
هامش
( 1 ) في حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه : « ذهب الناس وبقي النسناس » قيل : فما النسناس ؟ قال :
« الذين يتشبهون بالناس ، وليسوا من الناس » ولهم في تفسير النسناس كلام كثير ، منه : أنهم خلق على صورة الناس خالفوهم في أشياء ، وليسوا منهم .
( 2 ) التباهى بالكثرة .
( 3 ) لا تفنى .
( 4 ) العوار مثلث العين : العيب .
( 5 ) اللكع : اللئيم والأحمق .