تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩

463 - خطبة أخرى

وكان يقول : « رحم اللّه عبدا كسب طيّبا ، وأنفق قصدا ، وقدّم فضلا ، وجّهوا هذه الفضول « 1 » حيث وجّهها اللّه ، وضعوها حيث أمر اللّه ، فإن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم ، ويؤثرون بالفضل ، ألا إن هذا الموت قد أضر بالدنيا ففضحها ، فلا واللّه ما وجد ذو لب فيها فرحا ، فإياكم وهذه السّبل المتفرقة ، التي جماعها الضلالة ، وميعادها النار ، أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا جنّهم الليل فقيام على أطرافهم ، يفترشون خدودهم ، تجرى دموعهم على خدودهم ، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم ، إذا عملوا الحسنة سرّتهم ، وسألوا اللّه أن يتقبّلها منهم ، وإذا عملوا سيئة ساءتهم ، وسألوا اللّه أن يغفرها لهم ، يا ابن آدم : إن كان لا يغنيك ما يكفيك ، فليس هاهنا شيء يغنيك ، وإن كان يغنيك ما يكفيك ، فالقليل من الدنيا يكفيك ، يا ابن آدم : لا تعمل شيئا من الحق رياء ، ولا تتركه حياء » . ( البيان والتبيين 3 : 70 )

464 - خطبة أخرى

وكان يقول : « إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا ، وكانوا يقضون بعلمهم على أهل الدنيا ، ما لا يقضى أهل الدنيا بدنياهم فيها ، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم ، فأصبح اليوم أهل العلم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم ، فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم ، وزهدوا في علمهم ، لما رأوا من سوء موضعه عندهم » ، وكان يقول : لا أذهب إلى من يوارى
هامش
( 1 ) جمع فضل : وهو الزيادة من المال وغيره .
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 489 | أحمد زكي صفوت