خطب أبى حمزة الشارى
447 - خطبته حين دخل المدينة
ولما دخل أبو حمزة المدينة « 1 » سنة 130 ، رقى المنبر ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، وقال :
« يأهل المدينة : سألناكم عن ولاتكم هؤلاء ، فأسأتم - لعمر اللّه - فيهم القول ، قلتم واللّه ما فيهم الذي يعلم ، أخذوا المال من غير حلّه ، فوضعوه في غير حقّه ، وجاروا في الحكم ، فحكموا بغير ما أنزل اللّه ، واستأثروا بفيئنا ، فجعلوه دولة بين الأغنياء
هامش
( 1 ) بعد أن استولى عبد اللّه بن يحيى على اليمن سنة 129 ، أقام بصنعاء أشهرا يحسن السيرة في الناس ويلين جانبه لهم ، ويكف الأذى عنهم فكثر جمعه وأتته الشراة من كل جانب ( والشراة كقضاة جمع شار كقاض وهم الخوارج ، من شرى يشرى كرمى : أي باع ، سموا بذلك لقولهم : شرينا أنفسنا في طاعة اللّه : أي بعناها ووهبناها ، أخذا من قوله تعالى :« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ »أو لقولهم : شرينا الآخرة بالدنيا ، أي اشتريناها ) فلما كان وقت الحج وجه ابن يحيى أبا حمزة « وهو المختار بن عوف الأزدي ثم السلمى من أهل البصرة » إلى مكة ، فأقبل إليها يوم التروية « وهو ثامن ذي الحجة » وعليها وعلى المدينة عبد الواحد ابن سليمان بن عبد الملك ، فكره عبد الواحد قتالهم ، ثم خلى مكة لهم ، فدخلها أبو حمزة بغير قتال ، ومضى عبد الواحد إلى المدينة ، فجهز جيشا لقتالهم أمر عليه عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فسار حتى نزل قديدا « وقديد كزبير » وبلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه ، فاستخلف على مكة ، وشخص إليهم ، وبعث إليهم يسألهم أن يكفوا عنهم ، ويقول لهم : خلوا سبيلنا إلى الشأم لنسير إلى من ظلمكم ، وجار في الحكم عليكم ، ولا تجعلوا حدنا بكم ، فإنا لا نريد قتالكم ، فشتمهم أهل المدينة وقالوا : يا أعداء اللّه : أنحن نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض ؟ فقال الخوارج : يا أعداء اللّه أنحن نفسد في الأرض ؟ إنما خرجنا لنكف أهل الفساد ، ونقاتل من قاتلنا ، واستأثر بالفىء ، فانظروا لأنفسكم ، واخلعوا من لم يجعل اللّه له طاعة ، فإنه لا طاعة لمن عصى اللّه ، فأدخلوا في السلم ، وعاونوا أهل الحق ، فأبوا عليهم ، ونشب القتال بينهم ، فهزمهم أبو حمزة هزيمة لم يبق بعدها منهم باقية ، وقد بلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلا ، منهم من قريش أربعمائة وخمسون ، ودخل أبو حمزة المدينة لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة 130 ه ، وهرب عبد الواحد بن سليمان إلى الشأم .