تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١

418 - خطبة المستورد

فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد : فإن هذا الخرف معقل بن قيس قد وجّه إليكم ، وهو من السّبئيّة « 1 » المعترين الكاذبين ، وهو للّه ولكم عدو ، فأشيروا علىّ برأيكم » . فقال له بعضهم : واللّه ما خرجنا نريد إلا اللّه ، وجهاد من عادى اللّه ، وقد جاءونا فأين نذهب عنهم ؟ بل نقيم حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين ، وقالت طائفة أخرى : بل نعتزل ونتنحّى ، ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء . فقال : « يا معشر المسلمين : إني واللّه ما خرجت ألتمس الدنيا ، ولا ذكرها ، ولا فخرها ، ولا البقاء ، وما أحبّ أنّها لي بحذافيرها ، وأضعاف ما يتنافس فيه منها ، بقبال « 2 » نعلى ، وما خرجت إلا التماس الشهادة ، وأن يهديني اللّه إلى الكرامة ، بهوان بعض أهل الضلالة ؛ وإني قد نظرت فيما استشرتكم فيه ، فرأيت أن لا أقيم لهم حتى يقدموا علىّ ، وهم حامون متوافرون ، ولكن رأيت أن أسير حتى أمعن ، فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طلبنا ، فتقطعوا وتبدّدوا ، فعلى تلك الحال ينبغي لنا قتالهم ، فأخرجوا بنا على اسم اللّه عز وجل » .
هامش
( 1 ) السبئية : أتباع عبد اللّه بن سبأ ، وهو يهودي من صنعاء ، أسلم زمن عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم ، وغلا في علي ، وزعم أنه نبي . ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله ، ودعا إلى ذلك قوما من غواة الكوفة وأتى قوم منهم إلى علي فقالوا له : أنت هو ، قال : ومن هو ؟ قالوا : أنت اللّه ، فاستعظم الأمر ، وأمر بنار فأججت في حفرتين ، وأحرقهم بها ، فجعلوا يقولون وهم يرمون في النار : الآن صح عندنا أنه اللّه ، لأنه لا يعذب بالنار إلا اللّه ، ثم إن عليا خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام ، وخاف اختلاف أصحابه عليه ، فنفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن ، فلما بلغه مقتل على قال : لو أتيتمونا بدماغه سبعين مرة ما صدقنا موته ، وزعم أن المقتول لم يكن عليا ، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة على ، وأن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم ، ومن ابن سبأ انشعبت أصناف الغلاة . ( 2 ) قبال النعل : زمام بين الأصبع الوسطى والتي تليها .