348 - الأحنف ومعاوية أيضا
جلس معاوية يوما ، وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف ، فدخل رجل من أهل الشأم ، فقام خطيبا ، فكان آخر كلامه أن لعن عليّا رضى اللّه عنه ، فأطرق الناس وتكلم الأحنف ، فقال :
« يا أمير المؤمنين : إن هذا القائل ما قال آنفا ، لو علم أنّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم ، فاتّق اللّه ، ودع عليا ، فقد لقى اللّه ، وأفرد في حفرته ، وخلا بعمله ، وكان واللّه - ما علمنا - المبرّز بشقّه « 1 » ، الطاهر في خلقه ، الميمون النّقيبة « 2 » العظيم المصيبة » .
قال معاوية : « يا أحنف ، لقد أغضيت العين على القذى ، وقلت بغير ما ترى ، وأيم اللّه لتصعدنّ المنبر فلتلعننّه طائعا أو كارها » فقال الأحنف : « إن تعفنى فهو خير ، وإن تجبرنى على ذلك ، فو اللّه لا تجرى به شفتاي » ، فقال معاوية : قم فاصعد .
قال : « أما واللّه لأنصفنّك في القول والفعل » ، قال معاوية : وما أنت قائل إن أنصفتنى ؟ » ، قال : « أصعد فأحمد اللّه ، وأثنى عليه وأصلى على نبيه ، ثم أقول :
« أيها الناس : إن معاوية أمرني أن ألعن عليا ، ألا وإن عليا ومعاوية اختلفا واقتتلا ، وادّعى كل واحد أنه مبغىّ عليه وعلى فئته ، فإذا دعوت فأمّنوا رحمكم اللّه » ! ثم أقول : اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه ، والفئة الباغية على المبغىّ عليها ، اللهم العنهم لعنا كبيرا ، أمّنوا ، رحمكم اللّه » ، يا معاوية لا أزيد على هذا ، ولا أنقص منه حرفا ، ولو كان فيه ذهاب نفسي .
فقال معاوية : « إذن نعفيك يا أبا بحر » .
( نهاية الأرب 7 : 237 ، والعقد الفريد 2 : 118 )
هامش
( 1 ) الشق : الجانب ، ورواية العقد « المبرز سيفه » وبرز تبريزا : فاق أصحابه فضلا أو شجاعة .
( 2 ) النقيبة : النفس .