تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣

335 - خطبته حين أراد عبد الملك أن يترضّى أهل العراق

ولما نزل ابن الأشعث بدير الجماجم ، واجتمع أهل الكوفة ، وأهل البصرة ، وأهل الثغور والمسالح « 1 » بدير الجماجم والقرّاء من أهل المصرين ، واجتمعوا جميعا على حرب الحجاج ، جمعهم عليه بغضهم وكراهيتهم له - وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ، ممن يأخذ العطاء ، ومعهم مثلهم من مواليهم ، واشتد القتال بين الفريقين ، بعث عبد الملك بن مروان ابنه عبد اللّه وأخاه محمدا ، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم ، وأن يجرى عليهم أعطياتهم ، كما تجرى على أهل الشأم ، وأن ينزل ابن الأشعث أىّ بلد من العراق شاء ، يكون عليه واليا ما دام حيا ، وكان عبد الملك واليا ، فعرضا ذلك على أهل العراق ، فقالوا : نرجع العشيّة ، فاجتمعوا عند ابن الأشعث ، فلم يبق قائد ، ولا رأس قوم ، ولا فارس إلا أتاه . فحمد اللّه ابن الأشعث ، وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد : فقد أعطيتم أمرا ، انتهازكم اليوم إياه فرصة ، ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غدا حسرة ، وإنكم اليوم على النّصف ، وإن كانوا اعتدّوا بالزاوية ، فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تستر ، فاقبلوا ما عرضوا عليكم ، وأنتم أعزّاء أقوياء ، والقوم لكم هائبون ، وأنتم لهم منتقصون ، فلا واللّه لا زلتم عليهم أجراء ، ولا زلتم عندهم أعزاء ، إن أنتم قبلتم أبدا ما بقيتم » . فوثب الناس من كلّ جانب ، فقالوا : إن اللّه قد أهلكهم ، فأصبحوا في الأزل « 2 » والضّنك والمجاعة والقلّة والذّلة ، ونحن ذوو العدد الكثير ، والسّعر الرفيع ، والمادّة القريبة لا واللّه لا نقبل ، فأعادوا خلع عبد الملك ثانية ، وكان ما كان مما أسلفنا لك ذكره . ( تاريخ الطبري 8 : 15 )
هامش
( 1 ) جمع مسلحة بالفتح ، وهي الثغر . ( 2 ) الضيق والشدة .