ننتقصهم في كل عام طائفة من أرضهم ، ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم اللّه ، وكتب إلى الحجاج بذلك . فورد عليه كتاب الحجاج يضعّف رأيه ، ويأمره بالوغول في أرضهم ، ويتهدّده بالعزل إن لم يفعل ، فدعا ابن الأشعث الناس إليه .
فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال :
« أيها الناس ، إني لكم ناصح ، ولصلاحكم محبّ ، ولكم - في كلّ ما يحيط بكم نفعه - ناظر ، وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوكم رأى ، استشرت فيه ذوى أحلامكم ، وأولى التجربة للحرب منكم ، فرضوه لكم رأيا . ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحا ، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج ، فجاءنى منه كتاب يعجّزنى ويضعّفنى ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو ، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس ، وإنما أنا رجل منكم ، أمضى إذا مضيتم ، وآبى إذا أبيتم » .
فثار إليه الناس ، فقالوا : لا ، بل نأبى على عدوّ اللّه ، ولا نسمع له ولا نطيع .
( تاريخ الطبري 8 : 8 )
332 - خطبة عامر بن واثلة الكناني
فقام عامر بن واثلة الكناني - وكان أول متكلم يومئذ ، وكان شاعرا خطيبا - فقال بعد أن حمد اللّه ، وأثنى عليه :
« أما بعد : فإن الحجاج واللّه ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول » إذ قال لأخيه :
« احمل عبدك على الفرس ، فإن هلك هلك ، وإن نجا فلك » . إن الحجاج واللّه ما يبالي أن يخاطر بكم ، فيقحمكم بلادا كثيرة اللّهوب « 1 » واللّصوب « 2 » ، فإن ظفرتم فغنمتم
هامش
( 1 ) اللهوب جمع لهب كحمل ، وهو مهواة ما بين كل جبلين ، أو الصدع في الجبل ، أو الشعب الصغير فيه ( والشعب كحمل : الطريق في الجبل ) .
( 2 ) جمع لصب كحمل أيضا ، وهو الشعب الصغير في الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشعب .