بيتا نقبنا عن قلبه ، ومن نبش قبرا دفنّاه حيّا فيه ، فكفوا عنى أيديكم وألسنتكم ، أكفف عنكم يدي ولساني ، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف « 1 » ما عليه عامّتكم إلا ضربت عنقه ، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن « 2 » ، فجعلت ذلك دبر أذني « 3 » وتحت قدمي ، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته ، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السّلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ، ولم أهتك له سترا ، حتى يبدي لي صفحته « 4 » ، فإذا فعل ذلك لم أناظره ، فاستأنفوا أموركم ، وأعينوا على أنفسكم ، فربّ مبتئس بقدومنا سيسرّ ، ومسرور بقدومنا سيبتئس .
أيها الناس : إنا أصبحنا لكم ساسة ، وعنكم ذادة ، نسوسكم بسلطان اللّه الذي أعطانا ، ونذود عنكم بفيء اللّه الذي خوّلنا « 5 » ، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ، ولكم علينا العدل فيما ولينا ، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا ، واعلموا أنى مهما قصّرت عنه ، فلن أقصّر عن ثلاث : لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل ، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبّانه « 6 » ، ولا مجمّرا « 7 » لكم بعثا ، فادعوا اللّه بالصلاح لأئمتكم ، فإنهم ساستكم المؤدّبون لكم ، وكهفكم الذي إليه تأوون ، ومتى يصلحوا تصلحوا ، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم ، فيشتدّ لذلك غيظكم ، ويطول له حزنكم ، ولا تدركوا له حاجتكم ، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرّا لكم . أسأل اللّه أن يعين كلّا على كلّ ، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر ، فأنفذوه على
هامش
( 1 ) أي تخالف ما اجتمع عليه عامة القوم .
( 2 ) جمع إحنة : وهي الحقد والضغينة .
( 3 ) أي خلف أذني ، وقد اقتبسها من كلام معاوية كما مر بك .
( 4 ) أي يجاهرنى بالعداوة .
( 5 ) ملكنا . والفىء : ما كان شمسا فينسخه الظل ، والخراج ، أي ندفع عنكم بظل اللّه ونعمته التي وهبنا ، أو ندفع عنكم بما صار في أيدينا من أموال الخراج .
( 6 ) وقته وموعده .
( 7 ) جمر الجند :
حبسهم في أرض العدو ولم يقفلهم .
( 18 - جمهرة خطب العرب - ثان )