تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠

242 - خطبة مروان بن الحكم

« إن اللّه عظيم خطره ، لا يقدر « 1 » قادر قدره ، خلق من خلقه عبادا ، جعلهم لدعائم دينه أوتادا . هم رقباؤه على البلاد ، وخلفاؤه على العباد ، أسفر « 2 » بهم الظلم ، وألّف بهم الدين ، وشدّد بهم اليقين ، ومنح بهم الظّفر ، ووضع بهم من استكبر ، فكان من قبلك من خلفائنا ، يعرفون ذلك في سالف زمامنا ، وكنا نكون لهم على الطاعة إخوانا ، وعلى من خالف عنها أعوانا ، يشدّ بنا العضد ، ويقام بنا الأود ، ونستشار في القضية ، ونستأمر « 3 » في أمر الرعية ، وقد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة « 4 » ، ذات وجوه مستديرة ، تفتح بأزمّة الضلال ، وتحلس « 5 » بأسوإ الرحال ، يؤكل جزورها « 6 » ، وتمتقّ أحلابها « 7 » ، فما لنا لا نستأمر في رضاعها ، ونحن فطامها وأولاد فطامها ، وأيم اللّه لولا عهود مؤكّدة ، ومواثيق معقّدة « 8 » ، لأقمت أود وليّها ، فأقم الأمر يا ابن أبي سفيان ، واعدل عن تأميرك الصبيان ، وأعلم أن لك في قومك نظراء ، وأن لهم على مناوأتك وزراء » . فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا ، ثم كظم غيظه بحلمه ، وأخذ بيد مروان ، ثم قال :
هامش
( 1 ) قدره من بابى نصر وضرب وقدره تقديرا : عظمه ، قال تعالى :« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »أي ما عظموه حق تعظيمه . ( 2 ) سفر الصبح وأسفر : أضاء وأشرق ، أو هو متعد من سفرت الحرب أي ولت ، وسفرت المرأة كشفت عن وجهها ، فالمعنى كشف بهم الظلم . ( 3 ) الاستئمار : المشاورة . ( 4 ) في الأصل « مستخيرة » أي مستخير صاحبها ، من استخار اللّه في أمره : طلب أن يجعل له فيه الخير ، وأرى أنها « مستحيرة » بالحاء : أي مستحير صاحبها أي متحير ، من استحار : إذا نظر إلى الشئ ، فغشى عليه ولم يهتد لسبيله ، ويؤيد هذا قوله بعد « ذات وجوه مستديرة » أي مستغلقة مبهمة ليست مستقيمة . ( 5 ) حلس البعير كضربه : غشاه بحلس ( بكسر الحاء ) وهو كساء على ظهر البعير تحت البرذعة « وفي الأصل « وتجلس بأسوإ الرجال » بجيمين وهو تصحيف » . ( 6 ) الجزور : البعير ، أو خاص بالناقة المجزورة . ( 7 ) امتق الفصيل ما في الضرع شربه كله ، والأحلاب جمع حلب ( بفتحتين ) وهو اللبن المحلوب . ( 8 ) اسم مفعول من عقد بالتشديد مضعف عقد الحبل والبيع والعهد : إذا شده .