تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
والأيام عوّج « 1 » رواجع ، والأنفس يغدى عليها ويراح ، واللّه يقول :
( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ »
. ولسنا ندري ما يختلف به العصران « 2 » ، وأنت يا أمير المؤمنين ميت ، كما مات من كان قبلك من أنبياء اللّه وخلفائه ؛ نسأل اللّه تعالى بك المتاع ، وقد رأينا من دعة يزيد ابن أمير المؤمنين ، وحسن مذهبه ، وقصد « 3 » سيرته ، ويمن نقيبته « 4 » ، مع ما قسم اللّه له من المحبة في المسلمين ، والشّبه بأمير المؤمنين ، في عقله وسياسته وشيمته المرضيّة ، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا ، والقنوع به في الولاية علينا ، فليولّه أمير المؤمنين - أكرمه اللّه - عهده ، وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده ، نأوى إليه إن كان كون « 5 » ، فإنه ليس أحد أحقّ بها منه ، فاعزم على ذلك ، عزم اللّه لك في رشدك ، ووفقك في أمورنا » .

224 - خطبة عبد الرحمن بن عثمان الثقفي

ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثّقفىّ ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « أصلح اللّه أمير المؤمنين ، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه ، قد احدودبت علينا سيساؤه « 6 » ، واقطوطبت « 7 » علينا أدواؤه ، وأناخت علينا أنباؤه ، ونحن نشير
هامش
( 1 ) بمعنى رواجع جمع عائجة اسم فاعل من عاج إذا رجع : أي أن الأيام تعوج على الإنسان فتسلبه ما أعطى من الحياة ومتع العيش . ( 2 ) العصر : اليوم والليلة والعشى إلى احمرار الشمس والغداة . ( 3 ) القصد : استقامة الطريق . ( 4 ) النقيبة : النفس ، وهي أيضا العقل ، والمشورة ، ونفاذ الرأي ، والطبيعة . ( 5 ) أي إن حدث حدث . ( 6 ) السيساء : منتظم فقار الظهر ، وحمله على سيساء الحق أي على حده ، والعرب تضربه مثلا لشدة الأمر ، قال الشاعر :لقد حملت قيس بن عيلان حربنا * على يابس السيساء محدودب الظهريقول : حملناهم على مركب صعب كسيساء الحمار ، أي حملناهم على ما لا يثبت على مثله . ( 7 ) اقطوطب : افعوعل من قطب ، وقب القوم : اجتمعوا ، وقطب بين عينيه : جمع ، والمراد : اجتمعت وتراكمت علينا أدواؤه ، ولم أجد كلمة « اقطوطب » في كتب اللغة ، وإنما الذي فيها « اقطوطى » أي قارب في مشيه إسراعا .