تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦

طلب معاوية البيعة ليزيد

لما كانت سنة ثلاث وخمسين ، أظهر معاوية عهدا مفتعلا ، فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده ، فلم يزل يروض الناس لبيعته سبع سنين ، ويشاور ، ويعطى الأقارب ، ويدانى الأباعد ، حتى استوثق له من أكثر الناس . فقال لعبد اللّه بن الزبير : « ما ترى في بيعة يزيد ؟ » قال : « يا أمير المؤمنين ، إني أناديك ولا أناجيك « 1 » ، إن أخاك من صدقك ، فانظر قبل أن تتقدم ، وتفكّر قبل أن تندم ، فإن النظر قبل التقدم ، والتفكر قبل التندم » فضحك معاوية وقال : « ثعلب روّاغ ! تعلمت السّجاعة « 2 » عند الكبر ، في دون ما سجعت به على ابن أخيك ما يكفيك » . ثم التفت إلى الأحنف بن قيس ، فقال : « ما ترى في بيعة يزيد ؟ » . قال : « نخافكم إن صدقناكم ، ونخاف اللّه إن كذبنا » . فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه ، فوفد عليه من كل مصر قوم « 3 » ، وكان فيمن وفد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم ، فخلا به معاوية ، وقال له : « ما ترى في بيعة يزيد ؟ » ، فقال : « يا أمير المؤمنين ما أصبح اليوم على الأرض أحد هو أحبّ إلىّ رشدا من نفسك سوى نفسي ، وإن يزيد أصبح غنيّا في المال ، وسطا في الحسب ، وإن اللّه سائل كلّ راع عن رعيته ، فاتق اللّه ،
هامش
( 1 ) ناجيته : ساررته . ( 2 ) وفي العقد « الشجاعة » وهو تصحيف ، ولم أجد « سجاعة » في كتب اللغة ، وإنما الذي فيها هو « سجع » كشمس مصدر سجع كقطع ، وأرى أنها سجاعة ككتابة ، وقد ورد في كلام المبرد : « فإن المختار كان يدعى أنه يلهم ضربا من السجاعة لأمور تكون . . . الخ » . ( 3 ) هكذا ورد في العقد الفريد ، وفي مروج الذهب : أن وفود تلك الوفود كان سنة تسع وخمسين ، والمفهوم مما ورد في الإمامة والسياسة أن وفودها كان قبل سنة 50 ، وفي حياة الحسن بن علي رضى اللّه عنه كما يتبين لك مما سيرد بعد ( وقد توفى الحسن سنة 49 ، أو سنة 50 أو سنة 51 ) .