تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
لمن عرف رشده ، وأبصر حظه ، فانظروا لأنفسكم ، وأقبلوا على حظوظكم ، وليكن أهل الطاعة يدا على أهل الجهل من سفهائكم ، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغيد عيشها ، ونفيس زينتها ، فإنكم من ذلك بين فضيلتين : عاجل الخفض والدّعة ، وآجل الجزاء والمثوبة ، عصمكم اللّه من الشيطان وفتنته ونزغه « 1 » ، وأمدكم بحسن معونته وحفظه ، انهضوا رحمكم اللّه إلى قبض أعطياتكم ، غير مقطوعة عنكم ، ولا مكدّرة عليكم » . ( صبح الأعشى 1 : 218 )

169 - خطبته لما دخل الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير « 2 »

لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير سنة 71 ه دخل الكوفة فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : « أيها الناس إن الحرب صعبة مرّة ، وإن السّلم أمن ومسرّة ، وقد زبنتنا الحرب وزبنّاها « 3 » فعرفناها وألفناها ، فنحن بنوها وهي أمّنا . أيها الناس فاستقيموا على سبل الهدى ، ودعوا الأهواء المردية ، وتجنبوا فراق جماعات المسلمين ، ولا تكلفونا أعمل المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم ، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرّا ، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة ، فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد ، فإنما مثلي ومثلكم كما قال قيس بن رفاعة الأنصاري :
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة * يصل بنار كريم غير غدّار « 4 »
أنا النذير لكم منى مجاهرة * كي لا ألام على نهى وإنذار
هامش
( 1 ) نزغ بينهم : أفسد وأغرى . ( 2 ) نسب القلقشندي هذه الخطبة إلى معاوية وذكر أنه خطبها بصفين ( صبح الأعشى 1 : 215 ) وعزاها القالى في الأمالي إلى عبد الملك بن مروان وهو ما نرجحه لما يدل عليه سياق الخطبة . ( 3 ) أي دفعتنا ودفعناها ، والزبن : الدفع ، ومنه اشتقاق الزبانية ( جمع زبنية أو زبنى بكسر الزاي وسكون الباء ) لأنهم يدفعون أهل النار إلى النار ومنه أيضا حرب زبون بفتح الزاي . ( 4 ) الترة والوتر : الثأر .
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 194 | أحمد زكي صفوت