وانتصر منك بأيدينا ، فقال ابن الزبير : « إن اللّه أمر ( وله العزّة والقدرة ) في مخاطبة أكفر الكافرين ، وأعتى العتاة ، بأرأف من هذا القول ، فقال لموسى ولأخيه صلى اللّه عليهما : « اذهبا إلى فرعون إنّه طغى ، فقولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكّر أو يخشى » وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تؤذوا الأحياء بسبّ الموتى » .
فنهى عن سبّ أبى جهل من أجل عكرمة ابنه ، وأبو جهل عدوّ اللّه وعدوّ الرسول ، والمقيم على الشّرك ، والجادّ في المحاربة ، والمتبغض إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل الهجرة ، والمحارب له بعدها ، وكفى بالشرك ذنبا ! وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبى أن تقولوا : أتبرأ من الظالمين ؟ » فإن كانا منهم دخلا في غمار « 1 » المسلمين ، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني « 2 » بسبّ أبى وصاحبه ، وأنتم تعلمون أن اللّه جلّ وعزّ قال للمؤمن في أبويه : « وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ، فلا تطعهما وصاحبهما في الدّنيا معروفا » ، وقال جلّ ثناؤه : « وقولوا للنّاس حسنا » وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده ، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح « 3 » ، ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج ، وأوضح لمنهاج ، الحق ، وأولى أن يعرف كلّ صاحبه من عدوه ، فروحوا « 4 » إلىّ من عشيّتكم هذه ، أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء اللّه تعالى .
فلما كان العشىّ راحوا إليه ، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه ، فلما رأى ذلك نجدة « 5 » قال : هذا خروج منابذ « 6 » لكم ، فجلس على رفيع من الأرض ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ، ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر ، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته ، ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرته فيها ، فجعلها كالماضية ، وخبّر أنه
هامش
( 1 ) بالضم ويفتح جماعتهم .
( 2 ) تغضبونى .
( 3 ) تبيين الأمر .
( 4 ) الرواح : العشى ، وراح إلى القوم : ذهب إليهم رواحا .
( 5 ) هو نجدة بن عامر الحنفي من كبار زعمائهم .
( 6 ) نابذه : كاشفه بالعداوة .