فقال معاوية : يا أبا جعفر نغيّر الخطأ ، أقسمت عليك لتجلسنّ ، لعن اللّه من أخرج ضبّ صدرك من وجاره « 1 » ، محمول لك ما قلت ، ولك عندنا ما أملت ، فلو لم يكن محتدك « 2 » ومنصبك لكان خلقك وخلقك شافعين لك إلينا ، وأنت ابن ذي الجناحين وسيد بني هاشم ، فقال عبد اللّه : كلا بل سيد بني هاشم حسن وحسين لا ينازعهما في ذلك أحد ، فقال : أبا جعفر أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة ما كانت ، ولو ذهبت بجميع ما أملك ، فقال : أما في هذا في المجلس فلا ، ثم انصرف ، فأتبعه معاوية بصره فقال : واللّه لكأنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله مشيه وخلقه وخلقه ، وإنه لمن مشكاته « 3 » ، لوددت أنه أخي بنفيس ما أملك .
ثم التفت إلى عمرو فقال : أبا عبد اللّه ما تراه منعه من الكلام معك ؟ قال : ما لا خفاء به عنك . قال : أظنك تقول : إنه هاب جوابك ؟ لا واللّه ولكنه ازدرأك واستحقرك ولم يرك للكلام أهلا ، أما رأيت إقباله علىّ دونك ، ذاهبا بنفسه عنك ؟ فقال عمرو :
فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه ؟ قال معاوية : أرغب إليك أبا عبد اللّه ، فلات حين جواب فيما يرى اليوم ؛ ونهض معاوية وتفرق الناس .
( شرح ابن أبي الحديد م 2 : ص 104 )
120 - الحسن بن علىّ وعمرو بن العاص
ووفد الحسن بن علىّ رضى اللّه عنه على معاوية ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية :
يا أمير المؤمنين إن الحسن رجل أفهّ « 4 » ، فلو حملته على المنبر فتكلم وسمع الناس كلامه عابوه وسقط من عيونهم ففعل ، فصعد على المنبر وتكلم فأحسن ، ثم قال : أيها الناس لو
هامش
( 1 ) جحره .
( 2 ) أصلك .
( 3 ) المشكاة : الكوة التي ليست بنافذة .
( 4 ) أفه : وصف من الفهاهة ، وهي العى ، وفعله فهه كفرح ، وقياس الوصف منه أفة على أفعل لأنه يدل على خلقة « عيب » كعور وعمى وعرج ، ولكن الذي في كتب اللغة : فه كعذب وفهيه وفهفه .
( 9 - جهرة خطب العرب - ثان )