فقال المهدي : كذبت يا فاسق ، وهل تركت في شعرك موضعا لأحد بعد قولك في معن بن زائدة :
ألمّا بمعن ثم قولا لقبره * سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا « 1 »
فيا قبر معن كنت أول حفرة * من الأرض خطّت للمكارم مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده * وقد كان منها البرّ والبحر مترعا
ولكن حويت الجود والجود ميت * ولو كان حيّا ضقت حتى تصدّعا
وما كان إلا الجود صورة وجهه * فعاش ربيعا ثم ولّى فودّعا
فلمّا مضى معن مضى الجود والندى * وأصبح عرنين المكارم أجدعا
فأطرق الحسين وقال : يا أمير المؤمنين ، وهل معن إلا حسنة من حسناتك ! فرضي عنه وأمر له بألفي دينار .
قال سعيد بن مسلم : لمّا ولّى المنصور معن بن زائدة أذربيجان ، قصده قوم من أهل الكوفة . فلمّا صاروا ببابه أستأذنوا عليه ، فدخل الآذن فقال : أصلح اللّه الأمير ! وفد من أهل العراق ، قال : من أي أهل العراق ؟ قال : من الكوفة .
قال : ائذن لهم ، فدخلوا عليه ، فنظر إليهم معن في هيئة مزوية ووثب على أريكته وأنشد يقول :
إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم * ترقّبها فالدّهر بالناس قلّب
فأحسن ثوبيك الذي هو لا بس * وأفره مهريك الذي هو راكب
وبادر بمعروف إذا كنت قادرا * زوال اقتدار فهو عنك يعقب
قال : فوثب إليه رجل من القوم ، فقال : أصلح اللّه الأمير ! ألا أنشدك أحسن من هذا ؟ قال : لمن ؟ قال : لابن عمك هرمة ، قال : هات ، فأنشد يقول :
وللنفس تارات تحلّ بها العرى * وتسخو عن المال النفوس الشحائح
إذا المرء لم ينفعك حيّا فنفعه * أقلّ إذا ضمّت عليك الصفائح
لأية حال يمنع المرء ماله * غدا فغدا والموت غاد ورائح !
فقال معن : أحسنت واللّه ، وإن كان الشعر لغيرك ، يا غلام : أعطهم أربعة آلاف ، يستعينون بها على أمورهم إلى أن يتهيأ لنا فيهم ما نريد ، فقال الغلام : أجعلها دنانير أم دراهم ؟ فقال معن : واللّه لا تكون همتك أرفع من همتي .
هامش
( 1 ) ديوان الحماسة 1 / 388 .