ولم أجد من هواه بدا * ولا معينا على السّهاد
حملت نفسي على وقوفي * ببابه وقفة الجواد
فطار من بعض نار قلبي * أقلّ في الوصف من زناد
فأحرق الباب دون علمي * ولم يكن ذاك من مرادي
قال : فاستظرف القاضي واقعته ، واستملح شعره ، ورقّ لحكاية حاله ، وتحمّل عنه ما أفسده من باب الغلام ، وأطلقه .
* * *
لطائف
وممّا يناسب هذه اللطائف ؛ قيل : إنّه رفع إلى المأمون أنّ حائكا يعمل السنة كلّها ، لا يتعطّل في عيد ولا جمعة ، فإذا ظهر الورد ، طوى عمله ، وغرّد بصوت عال :
طاب الزّمان ، وجاء الورد فاصطبحوا * ما دام للورد أزهار ونوّار
فإذا شرب مع ندمائه على الورد ، غنى :
اشرب على الورد من حمراء صافية * شهرا ، وعشرا ، وخمسا بعدها عددا
ولا يزالون في صبوح « 1 » وغبوق ما بقيت وردة ؛ فإذا انقضى الورد عاد إلى عمله ، وغرّد بصوت عال :
فإن يبقني ربّي إلى الورد أصطبح * وإن متّ والهفي على الورد والخمر !
سألت إله العرش جلّ جلاله * يواصل قلبي في غبوق إلى الحشر
فقال المأمون : لقد نظر هذا الرجل إلى الورد بعين جليلة ، فينبغي أن نعينه على هذه المروءة . فأمر أن يدفع له في كلّ سنة عشرة آلاف درهم في زمن الورد .
ومن اللطائف ما حكي عن مجير الدين الخياط الدمشقيّ ؛ قيل : إنّه كان يهوى غلاما من أولاد الجند ، فشرب مجير الدين في بعض الليالي وسكر ، فوقع في الطّريق ، فمرّ الغلام عليه بشمعة وهو راكب ، فرآه في الليل مطروحا على الطريق ، فوقع عليه بالشّمعة ونزل ، فأقعده ومسح وجهه ، فسقط من الشّمعة نقطة على وجهه ، ففتح عينيه ، فرأى محبوبه على رأسه ، فاستيقظ وأنشد :
يا محرقا بالنّار وجه محبّه * مهلا ، فإنّ مدامعي تطفيه .
أحرق بها جسدي ، وكلّ جوارحي * واحذر على قلبي فإنّك فيه « 2 »
هامش
( 1 ) الصبوح : الشراب الذي يكون في أول النهار ، والغبوق : الذي يقدم في آخره .
( 2 ) ط . « لأنك » .