وانتهت الغاية بالمملوك إلى أنه شلح بقرب الكسوة في الشتاء ، وانتظرت ملك الموت وقد أمسيت :
لي مهجة في النازعات وعبرة * في المرسلات وفكرة في هل أتى
هذا ، والليل قد انطفأت مصابيح أنواره وعسعس ، حتى أيقنت بموت الصبح وقلت لو كان في قيد الحياة تنفّس ، فذهب المملوك وقد تزوّد عند قسم الغنيمة بسهم فجرح ولم يجد له تعديلا ، ولكنه صبر على الألم بعد ما كاد يدمى من الوهم ولم يلق له مجيرا ، لمّا قوي ألمه وضعف منه الحيل ، إلا أنه دخل تحت ذيل الليل ، فوصل إلى البلد وقد ودّ يومه لو تبدل بالأمس ، ولم يسلم له في رقعة الحرب غير الفرس والنفس ، ولكنه أنشد :
ما تفعل الأعداء في جاهل * ما يفعل الجاهل في نفسه
فأعاذ اللّه مولانا وبلاده من هذه القيامة القائمة ، وبدأ به في الدنيا ببراعة الأمن وفي الآخرة بحسن الخاتمة .
* * *
أدوات المنشئ
قلت : قد استوعبت هنا تراجم كتّاب الإنشاء ونبذة من فوائدهم ، ونبذة مما تخيرّته من إنشائهم ، وقد تعيّن أن أذكر بعد ذلك ما يحتاج إليه المنشئ الكامل الأدوات من المحاسن اللّائقة به وباللّه المستعان .
قال أبو حيّان التّوحيديّ : يجب على المنشئ أن يكون حافظا لكتاب اللّه لينتزع من آياته الشّريفة ، وأن يعرف كثيرا من السّنّة والأخبار والتواريخ والسّير ، ويحفظ كثيرا من الرّسائل والكتب ، ويكون متناسب الألفاظ متشاكل المعاني ، عارفا بما يحتاج إليه ، ماهرا في نظم بديع الشّعر . نظيف الثّوب ، لطيف المركب ، ظريف الغلام ، ليّق الدواة حادّ السّكّين ، متودّدا للناس ، مخالطهم ، غير متكبّر عليهم ، دمث الأخلاق ، رقيق الحواشي ، ترف الأطراف ، عذب السجايا ، حسن المحاضرة ، مليح النّادرة ، غير قنف ولا متعجرف ولا متكلف الألفاظ الغريبة ، ولا متعّسّف اللغة العويصة .
* * *
آداب الكتابة
روى الشّعبيّ أنه قال : كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربعة كتب ، أولها : باسمك اللّهم ، فنزلت سورة هود وفيها :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[ هود : 41 ] فكتب : بسم اللّه ، ثم نزلت سورة بني إسرائيل وفيها :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
[ الإسراء : 110 ]