أناله فيما بقي . يمنع الذي لي من غيري ، كما منع الذي لغيري مني . ففي أي هذين أفني عمري ، وأهلك نفسي .
ودخل على بعض الملوك من بني مروان فقال : أبا حازم ، ما المخرج مما نحن فيه ؟ قال : تنظر إلى ما عندك فلا تضعه إلا في حقه ، وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه . قال : ومن يطيق ذلك يا أبا حازم ؟ قال : فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنة والناس أجمعين . قال : ما مالك ؟ قال : مالان . قال :
ما هما ؟ قال : الثقة بما عند اللّه ، واليأس مما في أيدي الناس . قال : أرفع حوائجك إلينا . قال : هيهات ، قد رفعتها إلى من لا تختزل الحوائج دونه ، فإن أعطاني منها شيئا قبلت ، وإن زوى عنى منها شيئا رضيت .
وقال الفضيل بن عياض : يا ابن آدم ، إنما يفضلك الغني بيومك . أمس قد خلا ، وغد لم يأت ، فإن صبرت . يومك أحمدت أمرك ، وقويت على غدك .
وإن عجزت يومك أذممت أمرك ، وضعفت عن غدك . وإن الصبر يورث البرء ، وإن الجزع يورث السقم ، وبالسقم يكون الموت ، وبالبرء تكون الحياة .
وقال الحسن : أيا فلان ، أترضى هذه الحال التي أنت عليها للموت إذا نزل بك ؟ قال : لا . قال : أفتحدّث نفسك بالانتقال عنها إلى حال ترضاها للموت إذا نزل بك ؟ قال : حديثا بغير حقيقة . قال : أفبعد الموت دار فيها مستعتب « 1 » ؟ قال : لا . قال : فهل رأيت عاقلا رضي لنفسه بمثل الذي رضيت به لنفسك ؟ ! قال عيسى بن مريم صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا إن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، وإلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم ، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم » .
هامش
( 1 ) مستعتب : استرضاء .