تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
كان يغنيك ما يكفيك فالقليل من الدنيا يغنيك . يا بن آدم ، لا تعمل شيئا من الحق رياء ، ولا تتركه حياء . وكان يقول : إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم من أهل الدنيا ، كانوا يقضون بعلمهم على أهل الدنيا ما لا يقضي أهل الدنيا بدنياهم فيها ، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم ، فأصبح أهل العلم اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم ، فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم ، وزهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم . وكان يقول : لا أذهب إلى من يواري عني غناه ويبدي لي فقره ويغلق دوني بابه ويمنعني ما عنده ، وادع من يفتح لي بابه ويبدي لي غناه ويدعوني إلى ما عنده . وكان يقول : يا بن آدم ، لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا ، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر . مؤمن متّهم ، وعلج أغتم « 1 » وأعرابيّ لا فقه له ، ومنافق مكذّب ، ودنياويّ مترف ، نعق بهم ناعق فاتبعوه ، فرّاش نار وذبّان طمع . والذي نفس الحسن بيده ما أصبح في هذه القرية مؤمن إلا وقد أصبح مهموما حزينا ، وليس لمؤمن راحة دون لقاء اللّه ، والناس ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ، فصار المؤمن إلى إيمانه ، والمنافق إلى نفاقه . أي قوم ، إن نعمة اللّه عليكم أفضل من أعمالكم ، فسارعوا إلى ربكم ، فإنه ليس لمؤمن راحة دون الجنة ، ولا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة من همّه . وقال الحسن في يوم فطر ، وقد رأى الناس وهيئاتهم : إن اللّه تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته ، فسبق أقوام ففازوا وتخلّف آخرون فخابوا . فالعجب من الضاحك واللّه ان لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ، ومسيء بإساءته ، عن اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه
هامش
( 1 ) علج اغتم : الكافر الذي لا يفصح شيئا .