تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وكان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب ، وهم إليه أحوج ، لردّه مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم ، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر . والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه ، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوا ، وهجاهم قوم فردوا عليهم فأفحموهم ، وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم ، وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم ، وهم إسلاميون : جرير والفرزدق والأخطل . وفي الجاهلية : زهير ، وطرفة ، والأعشى ، والنابغة . هذا قول أبي عبيدة . وزعم أبو عمرو بن العلاء : أن الشعر فتح بامرئ القيس وختم بذي الرمّة . ومن الشعراء من يحكم القريض ولا يحسن من الرجز شيئا ، ففي الجاهلية منهم : زهير ، والنابغة ، والأعشى . وأما من يجمعهما فامرؤ القيس وله شيء من الرجز ، وطر ؟ ؟ ؟ ة وله كمثل ذلك ، ولبيد وقد أكثر . ومن الإسلاميين من لا يقدر على الرجز وهو في ذلك يجيد القريض : كالفرزدق وجرير . ومن يجمعهما فأبو النجم ، وحميد الأرقط ، والعماني ، وبشّار بن برد . وأقل من هؤلاء يحكم القصيد والإرجاز والخطب . وكان الكميت ، والبعيث ، والطرماح شعراء خطباء ، وكان البعيث أخطبهم . وقال يونس : لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب . وإذا قالوا : غلّب فهو الغالب . وقال الحسين بن مطير الأسديّ :
فيا قبر معن كنت أوّل حفرة * من الأرض خطّت للمكارم مضجعا فلما مضى معن مضى الجود وانقضى * وأصبح عرنين المكارم أجدعا فتى عيش في معروفه بعد موته * كما كان بعد السيل مجراه مرتعا تعزّ أبا العباس عنه ولا يكن * جزاؤك من معن بأن تتضعضعا
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 300 | الجاحظ / علي أبو ملحم